
دخل الصحافي والكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل على خط السجال المتصاعد حول قانون الإعلام الجديد، مناشداً رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون توقيع القانون، ومعتبراً أن الاعتراض على عقوبة السجن الواردة فيه محق، فيما رأى أن الاعتراضات الأخرى تصب في اتجاه الحفاظ على احتكار الامتيازات والمصالح القائمة في القطاع.
وكتب شربل، في منشور عبر حسابه على «فيسبوك»، متوجهاً إلى رئيس الجمهورية، أنه يناشده توقيع قانون الإعلام، مستنداً إلى تجربته المهنية الطويلة بوصفه صحافياً «أسس أربع صحف وخاض معارك حريات».
واعتبر شربل أن القانون الجديد «يجاري العصر والمعايير الدولية وينهي حصرية الامتيازات»، مؤكداً في المقابل أن الاعتراض على عقوبة السجن الواردة في النص «محق».
إلا أنه ذهب أبعد من ذلك في تقييم الاعتراضات الأخرى، معتبراً أن «ما تبقى هدفه الاحتكار لاستمرار المنافع على الورق أو الهواء»، في إشارة إلى الجدل المتعلق بالامتيازات القائمة في قطاعي الصحافة المكتوبة والإعلام المرئي والمسموع.
ويأتي موقف شربل في ذروة انقسام داخل الجسم الإعلامي حول القانون الذي أقره مجلس النواب في 11 آب 2026 بعد مسار تشريعي امتد سنوات طويلة، وأصبح منذ ذلك الحين محور مواجهة بين جهات ترى فيه نقلة ضرورية لتحديث التشريع الإعلامي اللبناني، وأخرى تطالب رئيس الجمهورية برده إلى مجلس النواب لإعادة النظر في عدد من مواده.
وكان وزير الإعلام بول مرقص قد أعلن عقب إقرار القانون أن لبنان بات يمتلك قانوناً جديداً للإعلام يحل مكان المنظومة التشريعية القديمة، مشيراً إلى أنه يتضمن إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام، وتنظيم عمل المواقع الإلكترونية، وتعريفاً قانونياً للإعلامي، واعتماد مبدأ «العلم والخبر» بدلاً من الترخيص المسبق في عدد من المجالات، إضافة إلى إدخال أحكام تتعلق بخطاب الكراهية والتحريض.
إلا أن مرقص نفسه سجل اعتراضاً واضحاً على الفقرتين «ب» و«ج» من المادة 104، مؤكداً أنه سيعمل على تعديلهما بعد إقرار القانون، وأن الاتجاه الذي كان يعمل عليه يقوم على اعتماد الغرامات بدلاً من العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.
وأصبحت المادة 104 تحديداً محور الاعتراض الأكبر، بعدما أثارت انتقادات بسبب ما تتضمنه من إمكان فرض عقوبات بالسجن في بعض الحالات المرتبطة بالعمل الإعلامي، وهو ما دفع نقابتي المحررين والصحافة إلى المطالبة بإلغاء تجريم الصحافيين وإزالة العقوبات التي قد تصل، وفق اعتراضاتهما على النص، إلى السجن لمدد تتراوح بين 3 أشهر و3 سنوات في بعض الجرائم.
وطالبت نقابتا المحررين والصحافة رئيس الجمهورية برد القانون إلى مجلس النواب، معتبرتين أن عدداً من التعديلات التي طالبتا بها لم يؤخذ به، فيما شملت الاعتراضات أيضاً تركيبة الهيئة الوطنية المشرفة على القطاع، وتنظيم وضع المواقع الإلكترونية، ومسألة التعددية النقابية.
وهنا يختلف موقف شربل بوضوح عن موقف النقابتين، إذ يفصل بين الاعتراض على عقوبة السجن، الذي يؤيده، وبين الاعتراض على جوهر النظام الجديد للترخيص والامتيازات، الذي يعتبره محاولة للحفاظ على أوضاع احتكارية قائمة.
وتعود مسألة «الامتيازات» التي أشار إليها شربل إلى واحدة من أقدم الإشكاليات في التشريع الإعلامي اللبناني. فقد خضع إصدار المطبوعات السياسية لعقود لنظام يقوم على عدد محدود من الامتيازات، ما جعل القدرة على إطلاق مطبوعة سياسية جديدة مرتبطة عملياً بالحصول على امتياز قائم أو التعامل مع سوق لهذه الامتيازات.
وسبق للجنة الإعلام والاتصالات النيابية أن أوضحت، خلال مراحل إعداد القانون، أن أحد أهدافه الأساسية هو إنهاء احتكار عدد محدود من الامتيازات السياسية وفتح المجال أمام إصدار المطبوعات وفق شروط وضوابط تنظيمية، بدلاً من الإبقاء على نظام يعود بجذوره إلى خمسينيات القرن الماضي.

وأدى النظام القديم على مدى سنوات إلى اكتساب بعض الامتيازات الصحافية قيمة مستقلة عن النشاط الإعلامي نفسه، إذ بقيت امتيازات لمطبوعات توقفت فعلياً عن الصدور أو لم تعد ناشطة، فيما كان أصحاب بعضها يحافظون عليها قانونياً رغم محدودية أو انعدام الإنتاج الصحافي الفعلي.
ولهذا كانت مسألة تحرير إصدار المطبوعات من حصرية الامتيازات واحدة من أكثر النقاط إثارة للنقاش منذ بداية إعداد قانون إعلام حديث، إذ اعتبر مؤيدوها أنها تفتح السوق أمام مؤسسات وصحافيين جدد، بينما أبدت جهات نقابية وأصحاب امتيازات على مدى مراحل مختلفة تحفظات على إلغاء النظام القائم.
أما القانون الذي أقره المجلس أخيراً، فيأتي بعد أكثر من 15 عاماً من النقاشات والصيغ المتعاقبة داخل اللجان النيابية، وشهد خلال الأشهر الأخيرة تسارعاً في مساره، قبل أن تقره اللجان المشتركة في 9 تموز ثم تصل مناقشته إلى الهيئة العامة.
وكان مرقص قد أكد بعد إقراره أن النص لا يعتبر مكتملاً بالنسبة إليه، معلناً بدء العمل على قانون معجل يتضمن التعديلات التي لم تدخل إلى الصيغة النهائية، وفي مقدمتها معالجة المادتين المتصلتين بعقوبات السجن، بالتعاون مع جهات نقابية ونواب وخبراء.
وبذلك، يأتي موقف بشارة شربل في مواجهة دعوات رد القانون بالكامل، إذ يدعو إلى الفصل بين ما يعتبره ثغرة تستوجب التعديل، أي عقوبة السجن، وبين الإصلاحات البنيوية التي يرى أنها ضرورية لتحديث الإعلام وفتح القطاع أمام منافسة أوسع.
ويضع هذا السجال رئيس الجمهورية أمام موقفين متعارضين داخل البيئة الإعلامية نفسها: الأول يطالبه برد القانون إلى مجلس النواب قبل إصداره لإزالة الثغرات، والثاني، الذي عبّر عنه شربل، يدعوه إلى توقيعه وعدم السماح للخلاف على بعض المواد بإسقاط إصلاحات يعتبرها أساسية، وخصوصاً إنهاء حصرية الامتيازات ومواءمة التشريع مع التحولات التي فرضها الإعلام الرقمي.