قانون التقاعد أمام اختبار الدستور... فراس حمدان و9 نواب يطلبون تعليق مفعوله

أعلن النائب فراس حمدان، عبر حسابه على منصة «إكس»، تقدّمه مع 9 نواب بمراجعة طعن أمام المجلس الدستوري بالقانون رقم 49/2026 المتعلق بإخضاع فئة من المتعاقدين لشرعة التقاعد، طالبين تعليق مفعوله إلى حين البت بدستوريته.

وقال حمدان إنه تقدم بالطعن برفقة النواب ملحم خلف، سليم الصايغ، نجاة عون صليبا، مارك ضو، إبراهيم منيمنة، وضاح الصادق، حيدر ناصر، ميشال الدويهي وسينتيا زرازير.

وأوضح أن المراجعة تنطلق، بحسب مقدميها، من الحرص على احترام الدستور ومبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، وعلى معالجة أوضاع المتعاقدين وإنصافهم ضمن إطار قانوني ودستوري سليم، بعيداً عن إيجاد تمييز بين فئات متشابهة في أوضاعها الوظيفية.

وشدد حمدان على أن إنصاف المتعاقدين وتأمين حقوقهم التقاعدية والاجتماعية «حق مشروع»، لكنه اعتبر أن تحقيق هذه الغاية يجب أن يتم من خلال تشريع واضح وعادل ومتوافق مع أحكام الدستور، ويحفظ الحقوق المكتسبة ولا يؤدي إلى تفاوت غير مبرر بين العاملين في الإدارات العامة.

وأضاف أن النواب طلبوا من المجلس الدستوري تعليق مفعول القانون ريثما ينظر في المراجعة ويبت بمدى دستورية أحكامه وفقاً للأصول.

ويأتي الطعن بعد نحو شهر على إقرار مجلس النواب، في جلسة 15 تموز 2026، اقتراح القانون الرامي إلى إخضاع المتعاقدين في وزارة الإعلام لشرعة التقاعد، بعدما أعيد التصويت عليه بالمناداة ونال تأييد 61 نائباً مقابل اعتراض 30.

ونصت الصيغة التي أقرها المجلس على تطبيق أحكام نظام التقاعد والصرف من الخدمة على المتعاقدين الذين أُجريت عقودهم أو تمت الموافقة عليها من مجلس الخدمة المدنية استناداً إلى المرسوم رقم 5240 الصادر في 5 نيسان 2001، بما يتيح لهم الاستفادة من المعاش التقاعدي أو تعويض الصرف وفق الشروط المطبقة على الموظفين الدائمين في الإدارات العامة، إضافة إلى الاستفادة من تقديمات تعاونية موظفي الدولة.

وكان حمدان من بين النواب الذين صوّتوا ضد الاقتراح عند إقراره، إلى جانب عدد من النواب المشاركين اليوم في الطعن، فيما أعلن يومها أن اعتراضه لا يقوم على رفض إعطاء المتعاقدين حقوقاً تقاعدية، بل على اعتباره أن معالجة فئة محددة بمعزل عن فئات أخرى في وضع وظيفي مشابه قد تطرح إشكالية تتعلق بالمساواة بين العاملين في مؤسسات الدولة.

وشهدت جلسة إقرار القانون سجالاً نيابياً حول آلية التصويت ومضمون الاقتراح، كما برز اتجاه يدعو إلى معالجة أوضاع المتعاقدين على مستوى الإدارات العامة بصورة شاملة بدلاً من اعتماد تشريعات خاصة بكل إدارة أو فئة على حدة. وأفادت تقارير الجلسة يومها بأن رئيس الحكومة نواف سلام كان قد أبدى رغبة في استرداد الاقتراح، قبل أن يرفض عدد من النواب ذلك ويتم المضي في التصويت عليه.

في المقابل، دافع وزير الإعلام بول مرقص عن القانون عقب إقراره، معتبراً أنه يعالج قضية إنسانية طال انتظارها، ويؤمّن حقوقاً لمتعاقدين أمضوا سنوات طويلة في الخدمة من خلال منحهم حقوقاً تقاعدية أسوة بموظفي الدولة.

ومن هنا يتمحور الخلاف بين مؤيدي القانون ومعارضيه حول آلية تحقيق الإنصاف أكثر مما يدور حول أصل الحق بالتقاعد. فمؤيدوه يرون أن المتعاقدين المعنيين خدموا الدولة لفترات طويلة من دون أن يتمتعوا بضمانات مماثلة لتلك التي يحصل عليها الموظفون الدائمون، وبالتالي فإن القانون يصحح خللاً اجتماعياً ووظيفياً تراكم على مدى سنوات.

أما مقدمو الطعن، فينطلقون من زاوية مختلفة، إذ يعتبرون أن منح نظام تقاعد وتقديمات لفئة محددة من المتعاقدين من دون وضع معيار عام يشمل الفئات الموجودة في أوضاع قانونية ووظيفية مماثلة قد يطرح إشكالية دستورية مرتبطة بمبدأ المساواة أمام القانون.

ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر بسبب طبيعة التوظيف في القطاع العام اللبناني، حيث يعمل إلى جانب الموظفين الدائمين عدد كبير من المتعاقدين والأجراء والعاملين بصيغ قانونية مختلفة، ما أدى على مدى السنوات إلى تفاوت في الحقوق المتعلقة بالرواتب والتعويضات والتغطية الصحية ونهاية الخدمة والتقاعد.

ويُعد مبدأ المساواة أحد المرتكزات التي يعود إليها المجلس الدستوري عند النظر في القوانين المطعون بها، إلا أن وجود اختلاف في المعاملة بين فئتين لا يؤدي تلقائياً إلى إبطال القانون، إذ ينظر المجلس عادة في ما إذا كان التفريق قائماً على أسباب موضوعية ومبررة مرتبطة بطبيعة كل فئة والغاية التي أرادها المشترع.

وعليه، فإن جوهر المراجعة الحالية سيكون مرتبطاً بمدى وجود مبررات قانونية كافية لتمييز المتعاقدين المشمولين بالقانون عن سائر المتعاقدين في الإدارات والمؤسسات العامة، وما إذا كانت الآلية التي اعتمدها مجلس النواب تنسجم مع مبدأ المساواة وانتظام الوظيفة العامة.

كما طلب النواب تعليق مفعول القانون بصورة مؤقتة، وهو إجراء يملكه المجلس الدستوري ضمن صلاحياته عندما يتلقى مراجعة طعن، إلى حين إصدار قراره النهائي بشأن دستورية النص المطعون فيه.

ولا يعني تقديم الطعن بحد ذاته إبطال القانون، إذ يبدأ المجلس الدستوري بدراسة المراجعة من الناحية الشكلية ومن ثم الأسباب الدستورية المثارة فيها، قبل اتخاذ قراره إما برد الطعن وإبقاء القانون نافذاً، أو إبطال القانون كلياً أو جزئياً إذا وجد مخالفة للدستور.

وسبق لحمدان وعدد من النواب الموقعين على المراجعة الحالية أن شاركوا خلال السنوات الأخيرة في طعون دستورية في قوانين مختلفة، من بينها قوانين متعلقة بالموازنة وتمديد الخدمة وبعض التشريعات العامة، ما يجعل اللجوء إلى المجلس الدستوري جزءاً متكرراً من الأدوات التي تستخدمها هذه المجموعة النيابية لمراجعة التشريعات التي تعتبر أنها تنطوي على مخالفات دستورية.

وبانتظار موقف المجلس الدستوري من طلب تعليق المفعول ثم من أساس الطعن، ينتقل ملف المتعاقدين من سجال نيابي حول كيفية ضمان حقوقهم إلى اختبار دستوري يتعلق بسؤال أوسع: هل يجوز معالجة الحرمان التقاعدي لفئة محددة بقانون خاص، أم أن مبدأ المساواة يفرض أن تأتي المعالجة ضمن نظام أشمل يحدد معايير موحدة لجميع العاملين الموجودين في أوضاع وظيفية متشابهة؟

ويؤكد مقدمو المراجعة أنهم لا يطعنون بمبدأ منح المتعاقدين حقوقهم، بل بالطريقة التي عالج بها القانون هذه الحقوق، فيما يتمسك مؤيدوه بأن إقرار نظام التقاعد للفئة المعنية يشكل تصحيحاً لتأخر استمر سنوات. وبين الموقفين، أصبحت الكلمة الآن للمجلس الدستوري الذي سيحدد ما إذا كان القانون رقم 49/2026 ينسجم مع أحكام الدستور أو يحتاج إلى إعادة نظر.