
رغم استمرار المساعي للتوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، مع اقتراب انتهاء مهلة الـ60 يوماً منتصف آب الحالي، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بات يراهن بصورة أكبر على تشديد الضغط الاقتصادي على طهران.
وقال مسؤول في البيت الأبيض لوكالة “بلومبرغ” إن العقوبات والحصار البحري جعلا إيران “مفلسة تماماً”، مؤكداً أن ترامب يمتلك أدوات ضغط عدة يمكن استخدامها خلال الأشهر المقبلة، من دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.
ويعكس التركيز المتجدد على إنهاك الاقتصاد الإيراني عودة واضحة إلى نهج “الضغط الأقصى” الذي اعتمده ترامب خلال ولايته الأولى، في تحول لافت عن خطاب الإدارة الأميركية خلال الأيام الماضية، عندما كانت تلوّح بتوسيع حملتها العسكرية ضد طهران بعد نحو 6 أشهر من الحرب.
وقال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، في تصريحات لشبكة “فوكس نيوز” في 10 آب، إن “عملية الغضب الاقتصادي” التي يقودها وزير الخزانة سكوت بيسنت تُلحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني.
وأضاف أن إيران قادرة على تحمّل الضربات، لكن الإيرانيين، بحسب تعبيره، يخشون بيسنت أكثر من وزير الدفاع بيت هيغسيث.
وكان ترامب قد عبّر عن موقف مشابه في حديث إلى موقع “أكسيوس”، الأحد الماضي، قائلاً إنه يتعامل مع إيران بهدوء، وإن واشنطن تراقب ما وصفه بالتضخم الهائل الذي تعاني منه البلاد وعدم امتلاكها الأموال.
وتبنّى بيسنت الموقف نفسه قبل أسابيع، قائلاً إن الحكومة الإيرانية تتسبب في معاناة شعبها، وإن واشنطن ستواصل زيادة الضغط.
وتتوافق هذه المواقف مع تقديرات بعض المحللين الذين يرون أن النظام الإيراني يقترب من حافة الانهيار الاقتصادي، إلا أن هذه النظرية تصطدم بحقيقة أن الولايات المتحدة تفرض عقوبات على إيران منذ عقود، كما هو الحال مع دول أخرى مثل كوريا الشمالية وكوبا، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغييرات سياسية جوهرية.
ووفق جيريمي بانر، الشريك في شركة “هيوز هوبارد آند ريد” والمتخصص في متابعة العقوبات على قطاعي النفط والبتروكيماويات الإيرانيين، فرضت الولايات المتحدة نحو 2200 عقوبة على طهران منذ أن بدأ ترامب توسيع قائمة العقوبات عام 2018، بينها نحو 350 عقوبة ضمن حملة “الغضب الاقتصادي” التي يقودها بيسنت.
ومع ذلك، لم تنجح هذه الإجراءات حتى الآن في دفع طهران إلى التراجع عن بعض ما تعتبره “خطوطاً حمراء”، سواء في برنامجها النووي أو في ملف مضيق هرمز.
ولا تزال واشنطن قادرة على جعل بيع النفط الإيراني أو إعادة عائداته إلى طهران أكثر صعوبة.
ومن بين الخيارات المطروحة لتشديد الضغط استهداف الصين والهند، أكبر مستوردي النفط الإيراني، ولا سيما أن الصين وحدها تستحوذ على أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانية، ما يعني أن استهداف هذه التجارة يمكن أن يقلص إيرادات طهران بصورة مباشرة.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على بعض المصافي الصينية الصغيرة وشركات أخرى منذ اندلاع الصراع مع إيران، لكنها لم تستهدف حتى الآن البنوك الصينية الكبرى التي تموّل هذه التجارة.
وقد تؤدي أي عقوبات على المؤسسات المالية الصينية الكبيرة إلى خفض إيرادات النفط الإيرانية، لكنها قد تفتح في المقابل جبهة جديدة مع بكين، قبل الاجتماع المزمع في أيلول بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.
وقال جيس هوفرسن، المسؤول السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي وكبير الاقتصاديين حالياً في بنك “كولومن” الرقمي، إن الانتقال إلى استراتيجية أكثر تشدداً سيجعل الاعتبارات تتجاوز العلاقات الثنائية لتصبح متعددة الأطراف.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه باكستان جهودها لتقريب وجهات النظر بين الجانبين الإيراني والأميركي، سعياً إلى التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي النزاع.
وتنتهي في منتصف آب مهلة الـ60 يوماً المخصصة للمفاوضات، التي نص عليها الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران والموقّع في حزيران الماضي.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد شنتا هجوماً على إيران في 28 شباط، لترد طهران بقصف دول في المنطقة واستهداف سفن تجارية في مضيق هرمز. وفي منتصف نيسان، أعلن ترامب وقفاً أحادياً لإطلاق النار.
وفي منتصف حزيران، توصلت الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية، إلى اتفاق إطاري لوقف إطلاق النار، إلا أن الاتفاق تعرض لخروقات في تموز.
وكان الاتفاق ينص على “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات”، قبل أن ينهار سريعاً، بعدما أعلن ترامب في 7 تموز أنه “انتهى”، فيما أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية “تعليقه” بعد ذلك بأسبوع.