القنابل الذكية إلى الإنتاج المحلي... إسرائيل تقلّص ورقة الضغط الأميركية

دفعت الحرب الطويلة إسرائيل إلى إعادة النظر في حجم اعتمادها على الولايات المتحدة في مجال الذخائر، بعدما كشفت العمليات العسكرية المتواصلة مدى حساسية الإمدادات الخارجية بالنسبة إلى سلاح الجو، ما دفع المؤسسة الأمنية والصناعات الدفاعية إلى التحضير لتوسيع الإنتاج المحلي، وصولاً إلى فتح خطوط للمرة الأولى داخل إسرائيل لإنتاج ذخائر JDAM الدقيقة.

وبحسب تقرير للصحافي إيتام ألمدون في قناة “N12” الإسرائيلية، واستناداً إلى ما كشفه المعلق العسكري نير دفوري، تعمل المؤسسة الأمنية والصناعات الدفاعية الإسرائيلية على الاستعداد لافتتاح خطوط إنتاج محلية لقنابل JDAM المخصصة لسلاح الجو، بعدما كانت هذه الذخائر تُنتج لإسرائيل حتى الآن في الولايات المتحدة.

وتهدف الخطوة إلى معالجة فجوات تراكمت على مدى سنوات، واستكمال المخزونات، وتقليص الاعتماد على الأميركيين في أحد المكونات الأساسية المطلوبة لخوض حرب طويلة الأمد.

ويشمل مصطلح “القنبلة الذكية” مجموعة واسعة من الذخائر تختلف في وزنها ومداها والطريقة التي تستخدمها للوصول إلى الهدف. فبعضها يعتمد على نظام GPS، وبعضها الآخر على أشعة الليزر أو الكاميرات، فيما تسمح أنواع أخرى للطائرة بإطلاق الذخيرة من مسافات بعيدة.

ويستخدم سلاح الجو الإسرائيلي مزيجاً من الذخائر الأميركية والإسرائيلية المصممة للتعامل مع أهداف وساحات مختلفة.

وتُعد JDAM الأميركية إحدى الذخائر الرئيسية في ترسانة سلاح الجو الإسرائيلي، وهي تحديداً الذخيرة التي تستعد إسرائيل حالياً لبدء إنتاجها محلياً.

ولا تُعد JDAM قنبلة مستقلة بحد ذاتها، بل مجموعة توجيه تُركّب على القنابل الحديدية العادية من عائلة Mk-80 لتحويلها إلى ذخائر دقيقة.

وتتضمن المجموعة، التي تنتجها شركة “بوينغ”، نظام ملاحة بالقصور الذاتي ونظام GPS، إلى جانب أسطح تحكم تتيح للقنبلة تصحيح مسارها والتوجه نحو الإحداثيات المحددة لها.

وتكمن ميزتها في الجمع بين قنبلة بسيطة ومنخفضة الكلفة نسبياً وبين قدرة إصابة دقيقة في مختلف الأحوال الجوية.

وتلائم هذه المجموعات قنابل بأوزان مختلفة، تبدأ من 500 رطل وتصل إلى 2,000 رطل، أي ما يقارب طناً، وتُستخدم تبعاً لذلك في استهداف المباني ومستودعات الأسلحة ومراكز القيادة والبنى التحتية المحصنة.

وإلى جانب JDAM، يستخدم سلاح الجو الإسرائيلي أيضاً قنبلة SDB صغيرة القطر، التي يبلغ وزنها نحو 113 كيلوغراماً، وتُفتح أجنحتها بعد إطلاقها بما يسمح لها بالانزلاق لمسافات بعيدة.

وتتيح أبعاد هذه القنبلة للطائرة حمل عدد أكبر من الذخائر خلال الطلعة الواحدة وضرب عدد أكبر من الأهداف، كما تسمح باستخدام رأس حربي أصغر عندما لا تكون هناك حاجة إلى ذخيرة ثقيلة.

ويُستخدم الليزر كذلك كوسيلة لتوجيه القنابل نحو أهدافها، إذ تُجهّز القنابل الأميركية من عائلة Paveway برأس توجيه يرصد انعكاس شعاع الليزر عن الهدف.

وتقوم طائرة أو وسيلة جوية أخرى أو قوة برية بإضاءة الهدف، لتصحح القنبلة مسارها وتتجه نحو النقطة المحددة.

وبالتوازي مع الذخائر الأميركية، طورت إسرائيل ذخائر دقيقة خاصة بها، بينها عائلة SPICE التي تنتجها شركة «رافائيل»، وتعتمد، من بين وسائل أخرى، على التوجيه الكهروبصري.

وقبل المهمة، يجري تحميل صورة للهدف داخل الذخيرة، وأثناء طيرانها تقوم الكاميرا بمسح المنطقة ومقارنة ما تراه بالصورة المخزنة في ذاكرتها.

وتتيح هذه التقنية للذخيرة التعرف إلى الهدف والتوجه نحوه حتى في حال التشويش على نظام GPS أو عدم توافره.

وفي مواجهة منظومات الدفاع الجوي التي تهدف إلى الحد من حرية حركة سلاح الجو، تستخدم إسرائيل أيضاً ذخائر من نوع Stand-Off، التي تُطلق من مسافات بعيدة وتتيح للطائرات تقليص تعرضها لمنظومات الدفاع الجوي المعادية.

ومن أبرز هذه الذخائر الإسرائيلية صاروخ Rampage، الذي طورته الصناعات الجوية الإسرائيلية وشركة «إلبيت».

وهو صاروخ جو – أرض سريع وبعيد المدى، يتيح ضرب أهداف نوعية في العمق من دون حاجة الطائرة التي تطلقه إلى الاقتراب منها، وهو مخصص، من بين أهداف أخرى، لضرب مراكز القيادة والبنى التحتية ومنظومات الرادار.

كما تنتج إسرائيل ذخائر خارقة للخرسانة من عائلة MPR التابعة لشركة «إلبيت»، والمخصصة لاستهداف المنشآت المحصنة، إضافة إلى صواريخ كهروبصرية من عائلة Spike التي تنتجها «رافائيل».

وتتيح نسخة Spike NLOS، المعروفة في إسرائيل أيضاً باسم «تموز»، إصابة أهداف لا تقع ضمن خط الرؤية المباشر لمنصة الإطلاق.

ولا تعود الحاجة إلى زيادة الاستقلال في مجال الذخائر إلى الحرب الحالية فقط.

ففي تقرير نشره مراقب الدولة في أيار، خلص إلى أن إسرائيل فقدت خلال عقدين قدرات على إنتاج مواد خام تُستخدم في تصنيع وسائل قتالية، نتيجة عوامل من بينها تفضيل شراء منتجات أرخص من الخارج على الحفاظ على خطوط الإنتاج المحلية.

وبحسب التقرير، فإن الاعتماد الذي نشأ على دول أجنبية حدّ من حرية حركة إسرائيل خلال الحرب، بل وعرّض جنوداً للخطر في ساحة المعركة.

كما تبيّن أن مخزونات بعض أنواع الأسلحة عشية 7 تشرين الأول كانت أقل من المستوى المستهدف، وأن قراراً صدر عام 2021 لمضاعفة خطوط إنتاج وبنى تحتية خاصة بأحد أنواع الأسلحة لم يحصل أساساً على التمويل المطلوب.

وحذّر مراقب الدولة من أن استعادة القدرات التي فقدتها إسرائيل ستتطلب «استثمارات مالية كبيرة ووقتاً طويلاً».

ورغم القدرات المتقدمة للصناعات الدفاعية الإسرائيلية، لا يزال جزء كبير من الكتلة الرئيسية للذخائر الثقيلة التي يستخدمها سلاح الجو يعتمد على الإنتاج الأميركي، فيما يُموّل جزء كبير من المشتريات بأموال المساعدات الأميركية.

وفي حرب مكثفة وطويلة، يستهلك سلاح الجو كميات كبيرة من الذخائر خلال فترات زمنية قصيرة، ما يجعل إسرائيل تعتمد ليس فقط على المخزونات التي اشترتها مسبقاً، بل أيضاً على الإمدادات الإضافية القادمة من الولايات المتحدة.

ويحمل هذا الاعتماد بعداً سياسياً أيضاً، إذ تملك الإدارة الأميركية القدرة على تأخير شحنات الأسلحة أو وقفها.

وسبق أن اختبرت إسرائيل هذا الواقع في عام 2024، عندما أخّرت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن شحنة من القنابل الثقيلة على خلفية الخلاف بشأن العملية في رفح.

وتكشف خطة إنتاج JDAM محلياً أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى زيادة مخزونها من الذخائر، بل إلى تقليص أحد أبرز مواطن اعتمادها العملياتي والسياسي على واشنطن، خصوصاً في سيناريوهات الحرب الطويلة التي تتطلب تدفقاً مستمراً وكثيفاً للسلاح.