
في سياق عسكري غير تقليدي، تجد دول الخليج نفسها منخرطة في صراع مكلف وغير متكافئ، حيث يتم استخدام طائرات حربية متطورة بأسعار تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لإسقاط طائرات مسيرة إيرانية لا تتجاوز قيمتها عشرات الآلاف من الدولارات، مما يثير تساؤلات جدية حول استدامة هذا النموذج الدفاعي.
ووفقًا لتقرير الصحافي جاكوب جودا في صحيفة “فايننشال تايمز”، فقد انتشرت المقاتلات المتقدمة على نطاق واسع في سماء الخليج خلال الأسابيع الأخيرة لمواجهة موجات من الطائرات المسيرة الإيرانية البطيئة والمنخفضة الارتفاع، وهي أهداف لم يتم تصميم هذه الطائرات في الأساس للتعامل معها.
وعلى الرغم من فعالية هذا النهج، إلا أن تكلفته الباهظة أصبحت تشكل عبئًا متزايدًا، سواء على المستوى المالي أو على صعيد الجاهزية البشرية والتقنية. وقالت لورين خان، المستشارة السابقة في البنتاغون: “هذا الأمر غير قابل للاستمرار على المدى الطويل بأي شكل من الأشكال”.
يكمن التناقض في أن تكلفة الطائرة المسيرة الإيرانية من طراز “شاهد-136” تتراوح بين 20000 و 50000 دولار، بينما تتجاوز تكلفة تشغيل مقاتلة من طراز F-16 حوالي 25000 دولار في الساعة الواحدة. أما الصواريخ المستخدمة لإسقاط هذه المسيرات، فتصل تكلفة بعضها إلى أكثر من مليون دولار، مثل صواريخ AIM-120، أو حوالي 485000 دولار لصواريخ AIM-9X.
حتى الحلول البديلة، مثل تحويل الصواريخ غير الموجهة إلى صواريخ مضادة للمسيرات، تبقى مكلفة، إذ تتجاوز تكلفة الوحدة 20000 دولار، مع عدم وضوح ما إذا كانت الدول الخليجية قد تسلمت الكميات التي تمت الموافقة على بيعها منذ عام 2018.
ويؤكد خبراء أن هذه المعادلة غير متوازنة اقتصاديًا. وقال سامويل بنديت من مركز التحليلات البحرية: “إنها نسبة كلفة سيئة للغاية لاعتراض تهديد رخيص… يجب على المدافع استخدام وسائل أرخص”.
وقد حاولت القوات الجوية الخليجية استخدام المدافع الرشاشة على متن الطائرات بدل الصواريخ، نظرًا لانخفاض تكلفتها، إلا أن هذا الخيار يفرض على الطيارين الاقتراب أكثر من الهدف، مما يزيد المخاطر، خاصة فوق المناطق المأهولة، فضلاً عن محدودية الذخيرة، إذ لا يمكن لمقاتلة F-16 إطلاق النار سوى لنحو 5 ثوانٍ قبل نفاد الذخيرة.
منذ 28 فبراير، أطلقت إيران أكثر من 3000 طائرة مسيرة باتجاه أهداف في الخليج، تم اعتراض الغالبية العظمى منها. وأعلنت الإمارات إسقاط أكثر من 1600 مسيرة، على الرغم من تمكن بعضها من إصابة قواعد عسكرية ومنشآت طاقة وبنى تحتية مدنية بدقة لافتة.
لكن التكلفة ليست التحدي الوحيد، إذ يحذر خبراء من الضغط الكبير على الطيارين والطائرات. وقالت كيلي غريكو من مركز Stimson: “هذا الإيقاع العملياتي مرهق جدًا… في مرحلة معينة سترتفع معدلات الأعطال وتزداد الحاجة إلى الصيانة”.
كما أن إسقاط المسيرات ليس مهمة سهلة حتى بالنسبة للمقاتلات المتطورة، حيث أن بطء طائرات “شاهد-136” مقارنة بسرعة المقاتلات قد يؤدي إلى تجاوز الهدف بسهولة، خاصة لدى الطيارين الأقل خبرة.
تشير التقديرات إلى أن الجيوش الخليجية لم تكن مستعدة لهذا النوع من التهديد، إذ ركزت بشكل أساسي على الصواريخ الباليستية، وفقًا لغريكو، بينما تتطلب المسيرات أنظمة رادار مختلفة قادرة على تمييزها من الطيور والمباني، بالإضافة إلى استخدام حساسات صوتية لرصد محركاتها.
وفي محاولة للحفاظ على مخزوناتها من صواريخ “باتريوت” التي تبلغ تكلفة الاعتراض الواحد بها حوالي 4 ملايين دولار، تلجأ دول الخليج إلى استخدام المقاتلات كخيار أول، فيما تستخدم هذه الصواريخ كملاذ أخير.
كما استعانت هذه الدول بخبرات أوكرانيا، التي طورت أساليب فعالة ومنخفضة التكلفة للتعامل مع المسيرات منذ عام 2022، بما في ذلك استخدام مسيرات اعتراضية. وقد أرسلت الولايات المتحدة 10000 طائرة مسيرة اعتراضية من هذا النوع إلى الشرق الأوسط، إلى جانب فرق استشارية أوكرانية.
وقال أناتولي خرابشينسكي، من شركة Fly Group الأوكرانية: “المقاتلات يمكن أن تكون جزءًا من منظومة الدفاع، لكنها لا يمكن أن تكون الأساس… إذا واجهت مئات المسيّرات الرخيصة بصواريخ بملايين الدولارات، فهذا النموذج لن يصمد”.
إلى جانب ذلك، تستخدم الجيوش الخليجية المروحيات التي أثبتت فعاليتها في إسقاط المسيرات، لكنها أقل انتشارًا وقدرة على تغطية المساحات مقارنة بالمقاتلات، فيما تعاني المنطقة أيضًا من نقص في المدافع المضادة للطائرات.
أما على مستوى التقنيات، فقد استخدم الجيش الإسرائيلي إلى جانب المقاتلات وأنظمة “القبة الحديدية” والمروحيات، نظامًا دفاعيًا يعتمد على الليزر، يقدر أن تكلفة الاعتراض فيه “شبه صفرية”، فيما تسعى الإمارات لاقتناء أنظمة مماثلة.
على الرغم من التركيز على تكلفة المواجهة، يرى توم كاراكو من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن العامل الحاسم ليس التكلفة فقط، بل القدرة على وقف إطلاق المسيرات من المصدر، قائلاً: “لا يمكنك الاستمرار في اللعب الدفاعي إلى ما لا نهاية… المسألة تتعلق بمدى سرعة وقف الهجمات”.
في ظل هذه المعادلة، تبدو معركة المسيرات اختبارًا جديدًا يفرض على جيوش المنطقة إعادة التفكير في أولوياتها الدفاعية، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالتفوق التكنولوجي، بل بقدرة الأنظمة على مواجهة تهديدات رخيصة بأساليب مستدامة.