رفضٌ للذوبان والارتهان ... خطاب الشيخ الصايغ يعيد رسم هوية الدروز وسط صراع المشاريع : “لدينا القدرة على التحول من السلم المطلق الى الدفاع المستميت”

سامر عريج – لبنان اليوم

في ظل مرحلة دقيقة تعيشها طائفة الموحدين الدروز، جاءت كلمة المرجع الروحي الأعلى لطائفة الموحدين الدروز سماحة الشيخ أمين الصايغ لتتجاوز بعدها الديني التقليدي، وتتحول إلى موقف سياسي-وجودي يعكس حجم القلق من المسارات المتناقضة التي باتت تحيط بالطائفة، سواء في السويداء أو في لبنان.

كلمة الشيخ ، وإن جائت بلغة فلسفية وروحية، إلا أنها تحمل في جوهرها محاولة واضحة لإعادة ضبط البوصلة، في لحظة تشهد انقساماً حاداً بين مشروعين كبيرين داخل البيت الدرزي.

هذا الانقسام يتمثل من جهة في المسار الذي يقوده الشيخ حكمت الهجري في السويداء، بعد الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء وما رافقها من مجازر وتهجير، حيث اتجه هذا المسار نحو البحث عن حماية خارجية، وصلت إلى حد الاستنجاد بإسرائيل في ظل غياب أي تحرك عربي فعّال وترك الطائفة لمصيرها في مواجهة وحوش التكفير الذين قتلوا حوالي 2000 مدني اعزل وشرّدوا وهجّروا مئات الآلاف من أبناء الطائفة الدرزية.

ومن جهة أخرى، يبرز المسار الذي يمثله النائب السابق وليد جنبلاط، والذي يتجه وفق قراءات واسعة داخل الطائفة نحو تذويب الهوية الدرزية ضمن الإطار السني السياسي، أو على الأقل تخفيف خصوصيتها التاريخية، خصوصا بعد حديثه عن تحول مثله الأعلى جده شكيب أرسلان الى المذهب السني والذي كان يعتبر ان تركيا تمثل الحضن الأساسي للمسلمين، واعلانه أن ابنة شكيب أرسلان أي أم السيد جنبلاط كانت قد اعتنقت المذهب السني أيضا.

إضافة الى ذلك موقفه الداعم للدولة السورية المرتكبة لمجازر السويداء ومهاجمته مرارا وتكرارا للشيخين موفق طريف وحكمت الهجري ودعمه الأصوات المعارضة لهما.

في هذا السياق تحديداً، يمكن فهم تشديد الشيخ الصايغ على أن الطائفة “حسمت خيارها منذ 1400 عام”، وهي عبارة لا تعني فقط الثبات الديني، بل تحمل رفضاً واضحاً لأي محاولة لإعادة تعريف الهوية وفق متطلبات اللحظة السياسية، سواء عبر ربطها بمشاريع إقليمية أو عبر دمجها في محيط مذهبي أوسع. فحين يقول إن “هويتنا هي الانتماء لصيانة الأرض والعرض”، فهو يضع إطاراً مغلقاً أمام أي مشروع يسعى إلى نقل الطائفة من موقعها التاريخي إلى أدوار جديدة مفروضة من الخارج أو من الداخل.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً في تحذيره من “انتماء يُعمي ويُقصي”، وهي عبارة يمكن قراءتها كرسالة مزدوجة، موجهة من جهة إلى من يدفعون باتجاه الارتهان لمشاريع خارجية تحت عنوان الحماية، ومن جهة أخرى إلى من يعملون على إعادة تشكيل الهوية بما يؤدي إلى تمييعها أو تذويبها.

كما أن تأكيده أن الدروز “عاشوا في قلب الأديان دون أن يذوبوا فيها” يأتي في سياق الرد على الطرح الذي يميل إلى إدخال الطائفة في إطار مذهبي أوسع، وهو ما يُفهم في ضوء المواقف الأخيرة لـ جنبلاط، التي أثارت جدلاً داخل البيئة الدرزية، خاصة بعد حديثه عن الجذور العائلية والمرجعيات الدينية. في المقابل، يشدد الشيخ الصايغ على أن هذا التفاعل التاريخي مع الأديان لم يكن يوماً مدخلاً للتخلي عن الخصوصية، بل على العكس، كان مصدر قوة واستمرارية.

أما في ما يتعلق بمسار الشيخ حكمت الهجري، فيمكن قراءة عبارة “لم نرهن قرارنا لأحد” كإشارة مباشرة إلى رفض وضع الطائفة ضمن أي محور خارجي، مهما كانت المبررات، حتى لو جاءت تحت ضغط الواقع الأمني. فالخطاب هنا يميّز بوضوح بين حق الدفاع عن النفس وبين التحول إلى جزء من مشروع إقليمي، وهو خط فاصل يبدو أن المرجعية الروحية تسعى لتكريسه في مواجهة التطورات الأخيرة.

وفي موازاة هذا الرفض للمسارين، يعيد سماحته تعريف موقع الطائفة، مؤكداً أنها “ليست أقلية تبحث عن الشرعية، بل أصل يمنح الشرعية لمن يحترم وجوده”، وهي صياغة تحمل دلالات سياسية عميقة، إذ تنقل الطائفة من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. كما أن تأكيده أن الدروز “ليسوا عابرين في تاريخ هذا الشرق” بل “أحد أعمدته” يعكس محاولة لإعادة تثبيت دورهم التاريخي في مواجهة أي سرديات تسعى إلى تقليص هذا الدور.

أما الرسالة الأوضح، فتتجلى في التأكيد على أن الطائفة تمتلك “ذاكرة جماعية لا تموت”، وقدرة على التحول من السلم إلى الدفاع المستميت عند المساس بجذورها. هذا التوصيف لا يحمل فقط بعداً معنوياً، بل يعكس قراءة لتجربة تاريخية طويلة، حيث أثبتت الجماعة قدرتها على التكيّف مع التحولات، من دون التفريط بثوابتها. وهو في الوقت نفسه تحذير مبطن من أن أي محاولة للعبث بهوية الطائفة لن تواجه برد فعل عابر، بل بتاريخ كامل من الصمود.

اللافت في الخطاب أيضاً هو الجمع بين التشدد في حماية الهوية والانفتاح على الشراكة، حيث يؤكد الصايغ أن الطائفة تمد يدها لكل شريك في الوطن والإنسانية، لكنها في الوقت نفسه تضع حدوداً واضحة عند “كرامتها” وخصوصيتها. هذا التوازن يعكس إدراكاً لحساسية المرحلة، حيث لا يمكن للطائفة أن تنعزل، لكنها أيضاً لا تستطيع أن تذوب أو تُستتبع.

وفي خلفية كل ذلك، يبرز هاجس الانقسام الداخلي، وهو ما يفسر تركيز الخطاب على مفهوم “الذاكرة الجماعية” و”الجسد الواحد”، في محاولة لاحتواء التباينات المتصاعدة داخل الطائفة. فالشيخ الصايغ لا يخاطب الخارج فقط، بل يوجه رسالته بالدرجة الأولى إلى الداخل، محذراً من أن أي انقسام قد يفتح الباب أمام مخاطر أكبر، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

بهذا المعنى، يمكن اعتبار كلمة المرجع الأعلى لطائفة الموحدين الدروز الشيخ أمين الصايغ محاولة واضحة لرسم خط ثالث بين مسارين متناقضين: لا الانخراط في مشاريع خارجية مهما كانت مبرراتها، ولا الذوبان في أطر مذهبية تفقد الطائفة خصوصيتها.

هو خطاب يسعى إلى تثبيت معادلة صعبة: هوية ثابتة، وسياسة مرنة، لكن من دون التنازل عن الجذور التي شكّلت هذه الطائفة عبر قرون طويلة.

.النص الكامل لكلمة المرجع الأعلى لطائفة الموحدين الدروز سماحة الشيخ أبو يوسف امين الصايغ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كَلِمَةُ الْمَرْجِعِ الرُّوحِي الْأَعْلَى الشَّيْخِ أَبي يُوسُفَ أَمِينِ الصَّايِغ إلى أبناء الطائفة الدرزية

نَحْمَدُ اللهَ كُلَّ ما حَمِدَهُ بِهِ أَكْرَمُ خَلائِقِهِ لَدَيْهِ، وَنُرْضِي حامِدِيهِ عِنْدَهُ حَمْدًا يَكُونُ وُصْلَةً إِلى عَفْوِهِ، وَسَبَبًا إِلى رِضْوانِهِ، حَمْدًا لا مُنْتَهى لِحَدِّهِ، وَلا حِسابَ لِعَدِّهِ، وَلا مَبْلَغَ لِغايَتِهِ، وَلا انْقِطاعَ لِأَمَدِهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلى إِمامِ الرَّحْمَةِ وَمِفْتاحِ البَرَكَةِ، إِنَّهُ وَلِيُّ الخَيْراتِ، وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ…

إِخْوانِي المُوَحِّدِينَ
فِي مَسارِ التَّارِيخِ، لا تُقاسُ الجَماعاتُ بِحَجْمِها، بَلْ بِعُمْقِ تَجْرِبَتِها، وَبِمَدَى وفائِها لِقِيَمِها، وَصَلابَةِ مَواقِفِها، وَقُدْرَتِها عَلى صَوْنِ هُوِيَّتِها رَغْمَ تَقَلُّباتِ الزَّمَنِ وَعَواصِفِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ…
إِنَّ طائِفَةَ المُوَحِّدِينَ الدُّرُوز لا تُعَرِّفُها الجُغْرافيا وَلا تُحْصِرُها الخَرائِطُ، بَلْ يُعَرِّفُها مَسارٌ رُوحِيٌّ مُمتَدٌّ وَتَجْرِبَةٌ إِنْسانِيَّةٌ ضارِبَةٌ فِي عُمْقِ الزَّمَنِ.
لَقَدْ نَظَّمَتْ عَلاقَتَها بِاللهِ وَالعالَمِ بِوَعْيٍ خاصٍّ، وَبَنَتْ وُجُودَها عَلى مَدَى الزَّمَنِ عَبْرَ تَراكُمِ الحِكْمَةِ وَالبَصيرَةِ، فَتَمَيَّزَتْ بِثَباتِها، وَتَفَرَّدَتْ بِنَقائِها وَصَفائِها.
نَحْنُ الثَّابِتُونَ عَبْرَ الزَّمَنِ قَدْ حَسَمْنا خِيارَنا مُنْذُ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ عامٍ.
إِسْلامُنا تَسْليمٌ كُلِّيٌّ لِلّهِ جَلَّ وَعَلا،
مَذْهَبُنا عَقْلٌ،
مَسْلَكُنا تَوْحِيدٌ،
هُوِيَّتُنا الِانْتِماءُ لِصِيانَةِ العِرْضِ وَالأَرْضِ.
الِانْتِماءُ لَيْسَ قَيْدًا… بَلْ جُذُور. لَيْسَ انْغِلاقًا… بَلِ امْتِداد.
هُوَ أَنْ تَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ، وَلِماذا أَنْتَ هُنا، وَإِلى أَيْنَ تَمْضِي. المُنْتَمِي لا يَضِيعُ، وَلَوْ تَغَيَّرَتِ الطُّرُقُ، وَلا يَتَلَوَّنُ وَلَوْ تَبَدَّلَتِ الوُجُوهُ. وَلا يَنْكَسِرُ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ فِي داخِلِهِ ما هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللَّحْظَةِ، وَأَقْوى مِنَ العابِرِ. وَلَكِنْ…احْذَرُوا انْتِماءً يُعْمِي، وَانْتِماءً يُقْصِي، وَانْتِماءً يُحَوِّلُ الإِنْسانَ مِنْ باحِثٍ عَنِ الحَقيقَةِ… إِلى حارِسٍ لِلْوَهْمِ. فَالِانْتِماءُ الحَقُّ لَيْسَ أَنْ تُشابِهَ غَيْرَكَ، بَلْ أَنْ تَصْدُقَ نَفْسَكَ، لَيْسَ أَنْ تَرْفَعَ شِعارًا، بَلْ أَنْ تَحْمِلَ مَعْنًى.

يا أَهْلِي، أَيُّهَا الأَحِبَّةُ المُوَحِّدُونَ
إِذا أَرَدْتُمْ هُوِيَّةً لا تُهُزّ، فَابْنُوا انْتِماءَكُمْ عَلى ما لا يَزُولُ…
عَلى القِيَمِ قَبْلَ الأَسْماءِ،
عَلى الحَقِّ قَبْلَ الجَماعَةِ،
عَلى الصِّدْقِ قَبْلَ المَظاهِرِ.
حينَها فَقَطْ تُصْبِحُ الهُوِيَّةُ نُورًا لا شِعارًا، وَجِذْرًا لا قَيْدًا، وَحَقيقَةً لا ادِّعاءً. وَتُدْرِكُونَ أَنَّ الإِنْسانَ لا يُعَرَّفُ بِما يَمْلِكُهُ، بَلْ بِما يَنْتَمِي إِلَيْهِ، وَبِما يَنْتَمِي إِلَيْهِ فِيهِ.
نَحْنُ الجَماعَةُ الَّتِي عاشَتْ فِي قَلْبِ الأَدْيانِ دُونَ أَنْ تَذُوبَ فِيها، وَحَمَلَتْ سَيْفَ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ وَقِيَمَ الأَنْبِياءِ دُونَ أَنْ تَرْهَنَ قَرارَها لِأَحَدٍ. كُنَّا وَما زِلْنا لُغْزَ التَّارِيخِ الَّذِي اسْتَعْصى عَلى الكَسْرِ.
لَسْنا مُنافِسِينَ لِأَحَدٍ عَلى دِينِهِ، فَنَحْنُ نَرى فِي كُلِّ الأَدْيانِ تَجَلِّيَاتٍ لِلْحَقيقَةِ الواحِدَةِ، غَيْرَ أَنَّنا نَتَمَسَّكُ بِتَقْديرِنا الَّذِي حَفِظَ تَماسُكَنا، وَصانَ وَحْدَتَنا، وَجَعَلَ العامَّةَ وَالخاصَّةَ فِي هذِهِ الطَّائِفَةِ جَسَدًا واحِدًا؛ فَإِذا مُسَّتْ كَرامَةُ واحِدٍ مِنْهُمْ، عَمَّ الغَضَبُ الجَميعَ.
لا تَخْطِئُوا فِي قِراءَةِ المُوَحِّدِينَ، لَسْنا أَقَلِّيَّةً تَبْحَثُ عَنْ حِمايَةٍ، بَلْ أَصْلٌ يَمْنَحُ الشَّرْعِيَّةَ لِمَنْ يَحْتَرِمُ وُجُودَهُ. وَلاؤُنا ثابِتٌ لا يَطْلُبُ شَهادَةً مِنْ أَحَدٍ؛ فَنَحْنُ قَلْبُ هذِهِ المِنْطَقَةِ، دافَعْنا عَنْها قَبْلَ أَنْ تُولَدَ الدُّوَلُ الحَديثَةُ، حَيْثُ عُرُوبَتُنا فِعْلٌ لا قَوْل، وَتَوْحِيدُنا عَهْدٌ لا شِعارٌ.
السِّياسَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خِطاباتٍ، بَلْ هِيَ أَثَرٌ وَوَعْيٌ رَصِينٌ يَبْنِي الأَوْطانَ.
إِنَّ وَثيقَةَ الأَلْفِ وَأَرْبَعِمِائَةِ عامٍ لَيْسَتْ وَرَقَةً سِياسِيَّةً؛ إِنَّها خُلاصَةُ جَماعَةٍ لَمْ تُكْتَبْ هُوِيَّتُها بِالحِبْرِ، بَلْ صَهَرَتْها التَّجارِبُ فِي بُوتَقَةِ الصُّمُودِ. لَقَدْ أَفاضَتْ عَلَيْنا الأَدْيانُ السَّماوِيَّةُ قِيَمَها، فَاسْتَخْلَصْنا مِنْها جَوْهَرَ التَّوْحِيدِ، وَصِغْنا مِنْها مَذْهَبًا يُقَدِّسُ العَقْلَ، وَيَحْمِي العِرْضَ، وَيَصُونُ الأَرْضَ. لَسْنا عابِرِينَ فِي تارِيخِ هذَا الشَّرْقِ، بَلْ أَحَدُ أَعْمِدَتِهِ الَّتِي لَمْ تَزِدْهَا العَواصِفُ إِلَّا تَجَذُّرًا.
فَلا تُراهِنُوا عَلى تَشْتِيتِنا؛ فَالهُوِيَّةُ عِنْدَنا لَيْسَتْ وَرَقَةَ تَفاوُضٍ، بَلْ قَدَرٌ مَحْتُومٌ. مَصْلَحَتُكُمْ تَبْدَأُ مِنِ احْتِرامِ خُصُوصِيَّتِنا، وَتَنْتَهِي عِنْدَ حُدُودِ كَرامَتِنا. فَلِهذِهِ الطَّائِفَةِ ذاكِرَةٌ جَماعِيَّةٌ لا تَمُوتُ، وَقُدْرَةٌ عَلى التَّحَوُّلِ مِنَ السِّلْمِ المُطْلَقِ إِلَى الدِّفاعِ المُسْتَمِيتِ إِذا مُسَّتْ جُذُورُها وَثَوابِتُها. إِنَّ مَصْلَحَتَكُمُ السِّياسِيَّةَ الحَقيقِيَّةَ تَبْدَأُ مِنِ احْتِرامِ هذَا الِاسْتِقْلالِ الوُجْدانِيِّ لِلْمُوَحِّدِينَ، لا مِنْ مُحاوَلَةِ شَقِّ صُفُوفِهِمْ أَوْ إِذابَةِ هُوِيَّتِهِمْ فِي مَشاريعَ عابِرَةٍ.

أَيُّهَا المَسْؤُولُونَ
اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لا تُواجِهُونَ أَفْرادًا تَذْرُوهُم رِياحُ المَصالِحِ، بَلْ تُواجِهُونَ جَسَدًا واحِدًا؛ إِذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ فِي أَقاصِي الجَبَلِ، تَداعى لَهُ سائِرُ المُوَحِّدِينَ بِالسَّهَرِ وَالحميةِ. هذَا هُوَ جَمالُنا المُسْتَمَدُّ مِنْ صَفاءِ التَّوْحِيدِ وَصِدْقِ الِانْتِماءِ.
مِنْ هُنا نُعْلِنُها بِوُضُوحٍ: الهُوِيَّةُ ثابِتَةٌ وَالسِّياسَةُ مُتَغَيِّرَةٌ. نَمُدُّ يَدَ الشَّراكَةِ لِكُلِّ شَرِيكٍ فِي الوَطَنِ وَالإِنْسانِيَّةِ، لَكِنَّنا لا نَرْهَنُ ثَوابِتَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا لِتَقَلُّباتِ المَصْلَحَةِ الطّارِئَةِ.

إِلى أَهْلِنا، أَبْناءِ بَنِي مَعْرُوف
أَنْتُمْ خَزّانُ الكَرامَةِ، وَأَنْتُمُ الَّذِينَ إِذا ادْلَهَمَّتِ الخُطُوبُ اسْتَحالُوا بُنْيانًا مَرْصُوصًا يَذُودُ عَنِ الحِمَى. عامَّتُكُمْ هِيَ خاصَّتُكُمْ فِي الضِّيقِ، وَهِيَ الَّتِي حَفِظَتِ الهُوِيَّةَ حينَ انْشَغَلَ بَعْضُ السِّياسِيِّينَ بِالمَكاسِبِ وَالمَناصِبِ.
إِنَّ قُوَّتَنا، الَّتِي اسْتَعْصَتْ عَلَى الكَسْرِ طِوالَ قُرُونٍ، تَنْبَعُ مِنْ رَكِيزَةٍ واحِدَةٍ: حِفْظُ الإِخْوانِ. فَهذِهِ القِيمَةُ تُحَوِّلُ الفَرْدَ إِلى أُمَّةٍ، وَتَبْنِي حَوْلَ الهُوِيَّةِ أَسْوارًا لا تَخْتَرِقُهَا الفِتَنُ.
مَصْلَحَتُكُمُ الكُبْرى فِي تَكاتُفِكُمْ؛ فِي حِفْظِ الأَخِّ نَجاةٌ لِلهُوِيَّةِ مِنْ شُرُورِ التَّفْرِقَةِ، وَفِي صِدْقِ اللِّسانِ حِصانَةٌ مِنْ خِداعِ السِّياسَةِ.

وَلْيَعْلَمِ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ… نَحْنُ قَوْمٌ نَزِنُ الرِّجالَ بِالعَقْلِ، وَالعُهُودَ بِالوَفاءِ. مَنْ أَرادَنا وَجَدْنا فِي طَليعَةِ المُدافِعِينَ عَنِ الحَقِّ، وَمَنْ أَرادَ العَبَثَ بِهُوِيَّتِنا وَجَدَ أَمامَهُ تارِيخًا لا يَلِينُ: ثَبَتْنا حَيْثُ اهْتَزَّ الآخَرُونَ، وَبَقِينا حَيْثُ مَضَى العابِرُونَ…

هذِهِ هُوِيَّتُنا،
وَهذَا عَهْدُنا،
وَهذَا كَلامُنا لِمَنْ يَفْهَم أَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ طَقْسًا يُمارَسُ، بَلْ عَهْدٌ غَلِيظ…
وَالسَّلام…


02 ذو القِعدة 1447 هـ / الموافق فيه 19 نيسان 2026 م