
“الشخصية الأوزمبية” هي أحد الآثار الجانبية التي أبلغ عنها بعض مستخدمي أدوية GLP-1 الشائعة لعلاج السمنة والسكري. يشعر هؤلاء المستخدمون بفتور عاطفي وانخفاض في الإحساس بالمتعة، لكن دون أن يكون ذلك اكتئابًا تقليديًا.
كوري ستيفنسون، امرأة تبلغ من العمر 51 عامًا، كانت تشعر بشيء غير طبيعي منذ عدة أشهر. عندما كانت تنظر إلى كعكة عيد ميلاد أو إلى غروب الشمس الملون بدرجات الوردي والبنفسجي، لم تكن تستمتع بهما فعليًا. إضافة إلى ذلك، فقدت شغفها بالرياضة التي أحبتها منذ طفولتها. تؤكد كوري أن ما تمر به ليس اكتئابًا، بل مجرد شعور عام بالفتور.
يؤكد الأطباء أنهم بدأوا يسمعون روايات مشابهة، تتحدث عن نوع من التسطح العاطفي أو تراجع الاستجابة، ليس فقط للطعام، بل أيضًا لمصادر المتعة الأخرى مثل القراءة والموسيقى والرقص والبستنة وغيرها. بل إن بعض المستخدمين أرجعوا انتهاء مشاعر الحب لديهم إلى هذه الأدوية. أُطلق على هذه الظاهرة اسم “فقدان التلذذ Anhedonia”، ويُشار إليها باسم شائع وهو “الشخصية الأوزمبية”.
تأثير أدوية أوزمبيك:
تنتمي هذه الأدوية إلى فئة حديثة تحاكي هرمونات تتحكم في الشهية وتنظيم سكر الدم، وتعتبر آمنة عمومًا. وقد دُرست آثارها الأيضية بشكل واسع، لكن تأثيراتها النفسية لا تزال أقل فهمًا.
من الناحية السريرية، يذكر بعض الأطباء أن مرضاهم حققوا مكاسب نفسية ملحوظة، مثل تحسن تقدير الذات وانخفاض الشعور بالذنب تجاه الطعام وتحسن المزاج العام. إضافة إلى ذلك، فإن المخاوف السابقة بشأن زيادة خطر الأفكار الانتحارية لم تثبت صحتها، بل تشير دراسات حديثة إلى أن هذه الأدوية قد تفيد بعض الحالات النفسية الشديدة.
في دراسة نُشرت في مجلة “ذا لانست” وشملت نحو 95 ألف شخص، وُجد أن مادة “سيماغلوتايد”، وهي المكون الفعال في أوزمبيك وويغوفي، ارتبطت بانخفاض خطر تفاقم الاكتئاب والقلق واضطرابات تعاطي المواد وإيذاء النفس، رغم أن العلاقة لا تعني بالضرورة السببية.
كما أشارت دراسة أخرى إلى انخفاض الوفيات المرتبطة بالمخدرات لدى مستخدمي هذه الأدوية. ومع ازدياد استخدام هذه العلاجات، بدأت تظهر تجارب أكثر دقة وتعقيدًا.
ويشدد الأطباء على أن حالات فقدان التلذذ ليست واسعة الانتشار، لكنها تتكرر بشكل كافٍ يستدعي الانتباه والدراسة.
من جانبها، أكدت شركة “نوفو نورديسك” أن سلامة المرضى أولوية قصوى، وأن هذه الظاهرة غير مدرجة حاليًا كأثر جانبي رسمي. فضلا عن تأكيد شركة “إيلي ليلي” على موقف مشابه، مع الإشارة إلى عدم توفر بيانات كافية حول هذا العرض تحديدًا.
الدماغ والدوبامين: أين تكمن المشكلة؟
فقدان الوزن بهذا الحجم لا يغير الجسم فقط، بل قد يعيد تشكيل الهوية والعادات وردود فعل المجتمع، مما يجعل من الصعب فصل تأثير الدواء عن التغيرات المصاحبة.
يركّز الباحثون على “الدوبامين”، وهو ناقل عصبي مرتبط بنظام المكافأة في الدماغ. يقول أحد الباحثين إن تفسيرًا بسيطًا هو أن هذه الأدوية تقلل نشاط مناطق المتعة في الدماغ، وهو ما قد يفسر انخفاض ما يُعرف بـ “ضجيج الطعام” (الرغبة المستمرة في الأكل)، وكذلك تقليل الرغبة في الكحول أو النيكوتين. لكن في بعض الحالات، قد يكون هذا التأثير مفرطًا، مما يؤدي إلى تراجع الإحساس بالمكافأة بشكل عام.
الدراسات على الحيوانات أعطت نتائج متباينة: بعضها أظهر انخفاض الاستجابة للمكافآت، وأخرى أظهرت استجابة أسرع، أي الشعور بالرضا بسرعة أكبر وبالتالي الحاجة إلى أقل.
في الحالتين، النتيجة واحدة: تقليل الرغبة.
هل يمكن تعديل التأثير؟
يقول بعض الأطباء إن هذه الحالة قد تتحسن عند تقليل الجرعة، أحيانًا خلال أسابيع قليلة. وفي حالات أخرى، يمكن استخدام أدوية مضادة للاكتئاب تعزز الدوبامين لتحقيق توازن.
ولا يزال الباحثون يعملون على جمع بيانات إضافية لفهم ما إذا كانت هذه الظاهرة دوائية بحتة أم نفسية أم مزيجًا من الاثنين.