
الصحة النفسية في زمن الحرب
في ظل الأحداث الجارية، يرى خبراء الصحة أن شعور الأفراد بالتوتر والقلق، أو الإحساس بأن العالم قد انقلب رأسًا على عقب، أمر طبيعي. ومع ذلك، يؤكدون على أهمية إيجاد آليات ووسائل للتكيف، وطرق للتعامل مع الأخبار بمسؤولية، من أجل حماية الصحة النفسية والعقلية.
يقول مايكل إس. زيفرا، خبير الطب النفسي والأستاذ في كلية فاينبرج للطب بجامعة نورث وسترن، لوكالة أنباء “أسوشيتد برس”، إن: “الخوف والحزن والارتباك، كلها ردود فعل طبيعية للغاية في ظل ظروف شديدة الصعوبة، لا ينبغي أن يشعر الأفراد بالذنب، أو أن يشعروا بأنّ القلق هو أمر خاطئ.. إنه رد فعل بشري طبيعي جدا، والمهم هو معرفة كيفية إدارته”.
مشاعر طبيعية
يشير زيفرا إلى أنه منذ عام 2020، الذي شهد تفشي جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، والاضطرابات الاجتماعية والسياسية، والكوارث المتعلقة بالطقس، لاحظ بوضوح زيادة في عدد المرضى الذين يعانون من قلق متزايد بسبب الأخبار الجارية.
يعبر بعض المرضى عن قلقهم، بينما يتحدث آخرون عن تصفحهم المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، في حين يعبر البعض الآخر عن شعورهم بالعجز والإحباط.
إلا أن خبراء الطب النفسي يؤكدون أن هذه المشاعر طبيعية جدًا ومتوقعة. بل وقد تؤدي أحيانًا إلى نتائج إيجابية، مثل الانضمام إلى مؤسسة اجتماعية أو سياسية، أو حتى مجرد التواصل مع نواب البرلمان.
قد يسعى آخرون إلى معرفة المزيد بشأن ما يحدث، لكن الاعتدال هو الأساس، كما هو الحال في معظم جوانب الحياة.
يقول زيفرا: “المشكلة بالنسبة لكثير من الأفراد، هي أنّ الكثير يستسلمون لهذه المشاعر، وينجرفون بأنفسهم من خلال التفكير فيها”.
التعامل مع الأخبار المقلقة
في عالم اليوم، يستطيع الأفراد الحصول على أي معلومة يرغبون فيها بنقرة زر، أو حتى بأقل من ذلك، من خلال الخوارزميات الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ترسل منشورات أو تنبيهات للأفراد على هواتفهم المحمولة، مما يقطع أنشطتهم اليومية.
كما يمكن للأفراد الوصول إلى الأخبار على مدار الساعة، وتتيح كاميرات الهواتف المحمولة التقاط صور ومقاطع فيديو للكوارث ونشرها في ثوانٍ.
ظلت دانا روز جارفين، عالمة النفس والأستاذة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، تدرس لسنوات مسألة “الصدمات الجماعية المتعاقبة”، وبحثت في كيفية تسبب التغطية الإعلامية المستمرة لجائحة كورونا في زيادة الشعور بالقلق. وقالت جارفين إن الواقع هو أن الأفراد لم يعودوا يتعاملون مع الأخبار كما كانوا يفعلون من قبل. ففي السابق، كانوا يقرأون الصحف أو يشاهدون نشرة أخبار المساء مرة واحدة يوميًا، أما الآن فقد أصبح الأفراد “أكثر تعرضا” للأحداث الجارية.
وبات الأفراد يشعرون بالقلق عندما يعرفون أخبارًا بشأن الكوارث أو الأخبار العاجلة.
وأضافت جارفين: “عند وجود أي أزمة، يلجأ الأفراد إلى وسائل الإعلام من أجل الحصول على المعلومات.. وهذا رد فعل منطقي وعقلاني ومفيد للغاية”.
وأوضحت: “لكن ما لاحظناه في بحثنا هو وجود هذا النوع من التأثير المتبادل.. يحدث شيء ما، فيعلم الأفراد بشأنه، ثم يلجأون إلى وسائل الإعلام لمعرفة المزيد عنه، فيشعرون بقلق كبير”، مضيفة أن ما يحدث بعد ذلك هو دخول الأفراد في حلقة يصعب عليهم الخروج منها، حيث تثير هذه العمليات مشاعر تجعلهم أكثر قلقًا ورغبة في معرفة المزيد بشأن هذا الحدث بسبب شعورهم بالاضطراب.
التعامل مع وسائل الإعلام بمسؤولية
بينما يتفهم الخبراء حاجة الأفراد إلى مواصلة البحث عن الأخبار، فإنهم يؤكدون على وجود طريقة للقيام بذلك بمسؤولية دون الشعور بالارتباك أو الإرهاق العاطفي. وكان اقتراحهم الأهم هو التخلص من وسائل التواصل الاجتماعي أو الحد منها، وتجنب تصفح الأخبار السلبية بإفراط.
من ناحية أخرى، تقول روكسان كوهين سيلفر، وهي خبيرة في علم النفس بجامعة كاليفورنيا في إرفاين، وشاركت في إعداد الدراسة مع جارفين: “أنا لا أقوم بإغراق نفسي في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا قرار واعٍ جدا من جانبي لحماية صحتي العقلية والجسدية”. وقد ظهرت مخاوف تحديدًا بشأن الصور ومقاطع الفيديو التي تنتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي قد تسبب الشعور بالارتباك والقلق طويل الأمد عند مشاهدتها بصورة متكررة.
وأضافت: “أعتقد أن المرء يمكنه أن يظل مطلعا على ما يحدث بدون الانغماس في الصور”.