
مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، يظهر تصميم طهران على عدم تقديم تنازلات أو البحث عن حل تفاوضي، بالرغم من الهجمات الموجعة التي تتعرض لها. يعكس هذا المشهد رهانًا إيرانيًا واضحًا على زيادة التكاليف الاقتصادية على مستوى العالم بدلاً من التراجع عسكريًا.
وفقًا لتقرير للصحافية سوزانا جورج في صحيفة “واشنطن بوست”، ترفض إيران حتى الآن الدخول في أي مسار دبلوماسي لوقف الحرب التي تشنها الولايات المتحدة والجيش الإسرائيلي، وتفضل تصعيد هجماتها في المنطقة، في محاولة لرفع الكلفة الاقتصادية على خصومها بشكل أسرع مما تستطيع واشنطن احتواءه عسكريًا.
ويستند هذا الموقف إلى استراتيجية أساسية: السيطرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات الوقود العالمية. وقد قامت طهران بإغلاقه جزئيًا، مما أدى إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، ودفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إصدار مهلة 48 ساعة لإعادة فتحه، مهددًا بـ”تدمير” محطات الطاقة الإيرانية في حال عدم الامتثال.
وبحسب دبلوماسي إيراني، فإن بلاده تسعى إلى “جعل هذا العدوان مكلفًا للغاية للمعتدين”، مضيفًا: “نحن وحدنا في مواجهة أقوى قوة عسكرية في التاريخ”. ويرى دبلوماسيون أوروبيون ومسؤول عربي أن هذا التصعيد يعكس قناعة لدى القيادة الإيرانية بأن قدرتها على التحكم بالمضيق وتحمل الضربات يمثل “نصرًا مرحليًا”.
وعلى الرغم من هذا الخطاب، تشير التقديرات إلى أن القيادة الإيرانية تدرك في الوقت نفسه المخاطر طويلة الأمد، في ظل تزايد استهداف البنية التحتية الحيوية داخل البلاد وتدهور القدرة على التعافي اقتصاديًا.
وحتى الآن، لا تزال التداعيات الاقتصادية على الولايات المتحدة وأوروبا “معتدلة”، وفقًا للتقييمات، لكنها بدأت تثير القلق في واشنطن مع ارتفاع أسعار الطاقة، مما يفسر محاولات وزارة الخزانة الأميركية تهدئة الأسواق عبر تخفيف بعض القيود على النفط الإيراني.
وعلى الصعيد الميداني، كثف البنتاغون عملياته حول مضيق هرمز، مع تعزيز الضربات الجوية ونشر المروحيات الهجومية، استعدادًا لفتح الممر بالقوة وتأمين مرور ناقلات النفط، وهو ما يتطلب إزالة التمركزات الإيرانية في المنطقة.
في المقابل، باءت بالفشل جهود الوساطة التي قادتها قطر وسلطنة عمان لوقف إطلاق النار، بعد أن اشترطت طهران وقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية أولاً. كما أكدت أنها لن تقبل بوقف مبكر للعمليات، مطالبة بضمانات “عدم اعتداء” وتعويضات مالية عن الأضرار، لمنع تكرار الهجمات مستقبلًا.
وفي سياق متصل، ساهمت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت شخصيات قيادية بارزة، من بينهم علي لاريجاني، في تقويض فرص التفاوض، نظرًا لدوره السابق كقناة اتصال غير مباشرة مع الغرب.
وعلى أرض الواقع، تشير أرقام البنتاغون إلى استهداف أكثر من 15000 موقع داخل إيران، بينما أعلنت وزارة الصحة الإيرانية عن مقتل أكثر من 1200 مدني، من بينهم أكثر من 160 في ضربة استهدفت مدرسة.
كما اتسع نطاق المواجهة إقليميًا، مع استهداف إيران لمنشآت طاقة في قطر والسعودية والكويت، ردًا على ضرب حقل “بارس الجنوبي”، مما أدى إلى أضرار تقدر بمليارات الدولارات.
وفي الداخل الإيراني، يواصل النظام تبني خطاب التحدي، حيث أكد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن العام الجديد “سيشهد توجيه ضربة قوية لأعداء إيران”، فيما أصدر المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بيانًا مماثلًا، على الرغم من غيابه عن الظهور العلني منذ بداية الحرب، بعد إصابته في الضربة التي أدت إلى مقتل والده.
ولكن خلف هذا التصعيد، تظهر مخاوف داخلية متزايدة، حيث تشير تقديرات الخبراء إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الداخلية وإعادة إشعال الاحتجاجات، في ظل تراجع قدرة الدولة على معالجة الأوضاع الاقتصادية.
في الختام، تراهن طهران على معادلة واضحة: زيادة كلفة الحرب عالميًا من خلال ورقة الطاقة والمضائق، مقابل الصمود داخليًا على الرغم من الخسائر، مما يجعل الصراع مفتوحًا على مسار تصعيدي طويل، تتشابك فيه الجبهات العسكرية مع حسابات الاقتصاد والسياسة الدولية.