
في الوقت الذي تنخرط فيه الولايات المتحدة بعمق في حربها مع إيران، يظهر موقف غريب يتمثل في حماس أوكراني لافت للمشاركة في هذه الحرب، على الرغم من عدم وجود مصلحة مباشرة لأوكرانيا فيها. بينما تعاني كييف تحت وطأة الحرب مع روسيا، يبدو الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحكومته على استعداد للاندفاع إلى أي مواجهة تقودها واشنطن، وكأنهم يسعون لإثبات ولائهم للبيت الأبيض بأي ثمن. لكن الأسباب وراء هذا الحماس تتجاوز مجرد الرغبة في إرضاء الحليف الأميركي، لتصل إلى حسابات معقدة تتعلق باستمرار الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا، والخوف من انكشاف حقائق الفساد وانهيار الحكم في كييف بمجرد توقف الحرب مع روسيا.
ثمن استمرار الدعم الأميركي
لم تكتف أوكرانيا بدعم الولايات المتحدة في حربها على إيران، بل قدمت مساعدة عسكرية وفنية مباشرة. ففي 17 مارس/آذار 2026، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده أرسلت 201 خبير في حرب الطائرات المسيّرة إلى دول في الشرق الأوسط والخليج، مع استعداد 34 آخرين للانضمام. وأكد أن فرقاً أوكرانية موجودة بالفعل في الإمارات وقطر والسعودية وأخرى في طريقها إلى الكويت. ونقلاً عن موقع “Mediaite”، قال زيلينسكي لصحيفة “نيويورك بوست” إن أوكرانيا مستعدة لمساعدة الولايات المتحدة ضد إيران “عندما يكون ذلك ممكناً”، مؤكداً أن كييف “تفاعلت فوراً” لعرض الدعم. وفي خطوة تصعيدية أخرى، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن واشنطن منفتحة على تحويل الأسلحة المخصصة لأوكرانيا لدعم هجومها على إيران، مؤكداً أن “لا شيء تم تحويله حتى الآن، لكنه قد يحدث”. ونقلاً عن صحيفة “الجزيرة نت”، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن البنتاغون يدرس تحويل صواريخ اعتراضية للدفاع الجوي كانت مخصصة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط في ظل استنزاف حرب إيران للذخائر الأميركية. في المقابل، اتهم المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة أوكرانيا بتقديم دعم مادي وعملياتي لما وصفه بـ”العدوان العسكري غير القانوني” الذي تقوده أمريكا وإسرائيل ضد إيران، معتبراً أن إرسال كييف “مئات الخبراء” إلى المنطقة يمثل “مشاركة نشطة في عدوان عسكري”.
لكن الدافع الأوكراني ليس قناعة بالعدالة أو الانتقام، بل رغبة يائسة في استمرار تدفق المساعدات الأميركية التي باتت مهددة بالانقطاع بسبب تحول أولويات واشنطن نحو حرب إيران. ففي مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس”، أعرب زيلينسكي عن قلقه من أن تؤدي الحرب الطويلة مع إيران إلى تقليص الدعم الأميركي لأوكرانيا، معترفاً بأن “علينا أن نعترف بأننا لسنا الأولوية اليوم”، ومحذراً من أن حرباً طويلة “قد تؤدي إلى تقليص الدعم لنا” وخاصة فيما يتعلق بصواريخ “باتريوت” الدفاعية الحيوية. ونقلاً عن تقرير لموقع “يورونيوز”، أبلغ البنتاغون الكونغرس بنيته تحويل نحو 750 مليون دولار من أموال برنامج دعم أوكرانيا لإعادة ملء مخزون الجيش الأميركي المستنزف في حرب إيران. وهكذا، فإن المشاركة الأوكرانية في حرب إيران لم تكن خياراً استراتيجياً بقدر ما كانت رهاناً يائساً لضمان استمرار ضخ الأسلحة والمال من واشنطن، في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات داخل الكونغرس لإعادة توجيه المساعدات بعيداً عن كييف.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الأوكرانيين الذين يريدون المساهمة في الحرب وتقديم خدماتهم لدول الخليج أصبحوا داعمين واضحين لإسرائيل. والدليل على ذلك هو القانون الأوكراني الجديد الذي وقعه الرئيس زيلينسكي في 14 أبريل/نيسان 2026، والذي يجرم معاداة السامية ويعاقب عليها بعقوبات تصل إلى السجن لمدد تتراوح بين 3 و8 سنوات بحسب خطورة الجريمة. ونقلاً عن موقع “News.by”، فإن القانون الذي كان البرلمان الأوكراني قد أقره في فبراير/شباط 2022 قبل أيام قليلة من الغزو الروسي الشامل، وقعه زيلينسكي ليدخل حيز التنفيذ، واضعاً “معاداة السامية” في عداد الجرائم الجنائية التي تشمل عقوبات وغرامات أو سجن يصل إلى 8 سنوات. ويأتي هذا التوجه الأوكراني المتزايد نحو معاداة معاداة السامية في إطار مساعي كييف لتقوية علاقاتها مع الغرب وإسرائيل، والتخلص من إرثها السوفياتي في هذا المجال، كما أنه يمثل إشارة سياسية واضحة لدول الخليج والمنطقة بأن أوكرانيا حليف موثوق لإسرائيل وبالتالي للولايات المتحدة.
السلام مع روسيا.. كابوس يهدد بسقوط حكم زيلينسكي
أما الجانب الآخر من المعادلة، فهو الخوف الأوكراني من تحقيق السلام مع روسيا، والذي يهدد بشكل مباشر استقرار حكم زيلينسكي وكشف حقيقة الفساد المستشري في نظامه. فمع استمرار الحرب، يستطيع زيلينسكي التذرع بظروف الطوارئ لتبرير غياب الشفافية وتأجيل الانتخابات، لكن بمجرد توقف القتال، ستنهار هذه الذرائع وسيكون الرئيس الأوكراني مطالباً بفتح دفاتره وكشف حجم الفساد الذي رافق تدفق المساعدات الغربية. ونقلاً عن تقرير لصحيفة “ذا إندبندنت”، كشفت فضيحة فساد مدوية عن وجود شبكة اختلاس بقيمة 100 مليون يورو في قطاع الطاقة الأوكراني، تورط فيها مساعدون مقربون من زيلينسكي، مما دفع كبير مستشاريه أندريه يرماك إلى الاستقالة. وأشار التقرير إلى أن هذه الفضيحة هزت أوكرانيا لأسابيع، وأضعفت وضع زيلينسكي وعرضت موقف البلاد التفاوضي مع الولايات المتحدة للخطر. ونقلاً عن صحيفة “الشرق الأوسط”، كشف جهاز مكافحة الفساد الأوكراني عن اختلاس 100 مليون دولار من قطاع الطاقة عبر رشى دفعتها شركات متعاقدة، وأقال زيلينسكي على إثرها مسؤولين كبيرين، بل إن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان اتهم زيلينسكي علناً برئاسة “شبكة مافيا فاسدة”، معلناً وقف المساعدات المالية الهنغارية لكييف.
في هذا السياق، فإن استمرار الحرب مع روسيا يمثل غطاءً مثالياً لزيلينسكي وحاشيته لتجنب المساءلة والمحاكمة. فمع انشغال العالم بالصراع الدائر، يظل الفساد الأوكراني خارج دائرة الضوء، وتظل التحقيقات معلقة، ويبقى نظام كييف قادراً على التذرع بظروف الحرب لتعطيل أي إجراءات رقابية حقيقية. ولكن بمجرد أن يتحقق السلام، سينهار هذا الغطاء تماماً، وستنكشف فضائح الفساد واتهامات تمويل الإرهاب التي طالت بعض الجهات المرتبطة بالنظام الأوكراني، كما أشارت تقارير صحفية متعددة. وحينها، لن يكون مصير زيلينسكي أفضل من مصير العديد من القادة الذين استغلوا الحروب لتعزيز سلطتهم وإثراء حاشيتهم، ثم انتهى بهم الأمر في قفص الاتهام أو على أبواب المنفى. ولهذا فإن زيلينسكي يفضل استمرار القتال، مهما كانت التكلفة، على أن يواجه حقيقة السلام التي قد تعني نهاية حكمه، وكشف كل ما أخفاه، وتقديمه للمحاكمة بتهم الفساد وتمويل الإرهاب.