
في ظل انقسامات داخلية وضغوط متعددة الأطراف، تخوض بيروت محادثات مباشرة مع إسرائيل، وسط شكوك عميقة حول إمكانية تحقيق أي تقدم ملموس. هذه الخطوة، التي تعتبر غير مسبوقة، تخرق أحد أبرز المحظورات في العلاقة بين البلدين، إلا أنها تبدو محفوفة بعقبات سياسية وأمنية معقدة منذ بدايتها.
ووفقًا لتقرير الصحافي يوفال إنبار في “هيئة البث الاسرائيلية”، يساور لبنان شكوك حول فرص النجاح في المفاوضات المباشرة التي ستنطلق غدًا في واشنطن. من المقرر أن يعقد أول لقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة، وهو حدث تكمن أهميته الأساسية في كونه يكسر “التابو” التاريخي بين الطرفين.
وفي سياق متصل، ذكرت القناة 15 الإسرائيلية نقلًا عن مصادر، أن الاجتماع بين سفير إسرائيل وسفيرة لبنان سيُعقد يوم الثلاثاء عند الساعة 6 مساءً بتوقيت واشنطن، 1 فجرًا بتوقيت بيروت.
وفي خلفية هذا المسار، تحاول كل من بيروت وتل أبيب، وفقًا للتقرير، فصل الساحة اللبنانية عن التأثير الإيراني، بهدف منع طهران من فرض توقيت أي اتفاق لوقف إطلاق النار، مما يعكس البعد الإقليمي العميق الذي يثقل كاهل هذه المحادثات.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر داخليًا. فقد نقل التقرير عن مصدر سياسي لبناني مناهض لحزب الله قوله، إن التقدم العملي في هذه المفاوضات سيكون صعبًا، طالما أن أولوية القيادة اللبنانية تتركز على وقف إطلاق النار، وليس على نزع سلاح حزب الله، الذي يمثل مطلبًا أساسيًا لدى الجانب الإسرائيلي.
وفي الكواليس، يظهر صراع واضح داخل الحكومة اللبنانية بين معسكر حزب الله، الذي يسعى للاكتفاء بوقف إطلاق النار، ومعسكر آخر يضغط من أجل تفكيك سلاح الحزب كمدخل لأي تسوية مستدامة، مما يضع الموقف اللبناني أمام اختبار داخلي حاد قبل أي تفاوض خارجي.
بالتوازي مع ذلك، صعّد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم موقفه، حيث وجّه رسالة إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون طالب فيها بإلغاء اجتماع السفيرين، قائلاً: “يضغطون عليك لتقاتل شعبك، ولن يرضوا حتى ينهار كل شيء لصالح مصلحة إسرائيل”. وأضاف: “الطريق الوحيد الذي يضمن سيادة لبنان هو تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يشمل وقف الهجمات، وانسحاب إسرائيل، وإعادة الأسرى، وعودة اللاجئين اللبنانيين إلى منازلهم”.
في الوقت نفسه، كشف التقرير عن خطوة غير معتادة تمثلت في قيام مسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي بتقديم إحاطة خاصة لسفير إسرائيل في الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، قبيل لقائه المرتقب مع نظيرته اللبنانية.
وقد جاءت هذه الإحاطة بناءً على طلب السفير نفسه، ونفذها ضباط كبار من الشعبة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي، بعد موافقة خاصة من رئيس الأركان إيال زامير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، حيث عرضوا أمامه انتشار القوات في لبنان، إلى جانب المطالب الأمنية الإسرائيلية، واستعرضوا الجهود العسكرية المبذولة في الجبهة الشمالية ضد حزب الله.
كما طلب الضباط نقل رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل تستهدف حزب الله حصراً، وتشدد على ضرورة تحرك الجيش اللبناني ضده وفق قرار الحكومة اللبنانية، قبل البحث في أي اتفاق لوقف إطلاق النار.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن، يوم الخميس الماضي، أنه أوعز بفتح مفاوضات مع لبنان “على ضوء الطلبات المتكررة” من بيروت، وذلك عقب اتصال مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأضاف أن هذه المفاوضات ستركز على “تفكيك سلاح حزب الله وتنظيم علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان”، مشيرًا إلى أن إسرائيل “تقدّر دعوة رئيس الوزراء اللبناني إلى نزع السلاح من بيروت”.
في الخلاصة، تعكس هذه المعطيات مسارًا تفاوضيًا هشًا، تتداخل فيه الحسابات الداخلية اللبنانية مع الضغوط الإقليمية والدولية، مما يجعل أي تقدم محتمل رهنًا بحسم الصراع على الأولويات داخل بيروت قبل أي اتفاق مع الخارج.