الأمور قابلة لكل السيناريوهات... بودية يحذر من امتلاك شخص مجنون أسلحة نووية!

:

في خضم تصاعد المقترحات الأمريكية المتداولة إعلاميًا حول إمكانية فتح قنوات تفاوض مع إيران، والتي تتضمن حزمة شروط باهظة ومتغيرة، تتزايد علامات الاستفهام حول مدى جدية هذا المسار، وهل هو بالفعل مقدمة لمفاوضات حقيقية أم مجرد أداة للمناورة السياسية والإعلامية.

أوضح الكاتب والمحلل السياسي فادي بودية أن هناك مثلًا لبنانيًا دارجًا يقول: “اللي ما بده يجوز بنته بيقال له مهرحبا”، مشيرًا إلى أن وضع شروطًا تعجيزية للغاية لأي مفاوضات يجعل منها أمرًا مستحيلًا تقريبًا، وأضاف أن أي مفاوضات تتطلب قاعدتين أساسيتين للانطلاق: أولًا، أن تكون الشروط قابلة للنقاش، وثانيًا، أن يكون هناك قبول متبادل من الطرفين.

وأشار إلى أن الشروط التي طرحها ترامب، والتي تتراوح بين خمسة عشر وعشرين شرطًا وتزداد باطراد، لم تلق قبولًا في إيران، ولا تجد أي صدى داخلها، مؤكدًا أنه لن يتم الاستجابة لها في المؤسسات الرسمية الإيرانية، وأنه لا توجد أي رغبة في الذهاب إلى المفاوضات، وبالتالي فإن العنصرين الأساسيين لأي مفاوضات غير متوفرين.

ولفت إلى أن المسؤولين الإيرانيين على مختلف المستويات العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية أكدوا مرارًا وتكرارًا أنه لا توجد مفاوضات مع الولايات المتحدة حتى الآن، معتبرًا أن تصريحات ترامب حول التفاوض مع الإيرانيين لا أساس لها من الصحة، متسائلًا: من الذي يتفاوض؟ فالأشخاص “الجيدون” بالنسبة لترامب غير موجودين في إيران، وكأنه يتفاوض مع نفسه، وأضاف أن هذا يذكر بحالة “deja vu”، أي الشعور بتكرار مشهد لمفاوضات غير موجودة.

ويرى بودية أن ترامب يتقن فن الخداع والمناورة الإعلامية، مشيرًا إلى أنه أعلن أنه لن يضرب منشأة للطاقة ومنح مهلة خمسة أيام، ثم نفذ الضربة فجأة عند انتهاء المهلة، متسائلًا كيف يمكن لإيران أن تثق في الذهاب إلى المفاوضات في ظل هذه الممارسات.

وأشار إلى أن إيران سبق أن دخلت في مفاوضات عام 2015 في إطار الاتفاق النووي برعاية سلطنة عمان، لكنها صدمت لاحقًا بالسياسات الأمريكية، مؤكدًا أنه لا توجد أرضية للتفاوض في الوقت الحالي، وأضاف أن هناك اتصالات من بعض الدول مثل تركيا وعمان ومصر وباكستان لخلق مساحة وأرضية لتهدئة التوتر، لكن إيران لم تستجب لأي مطلب إلا وفقًا لمعادلتها الخاصة.

لكن في المقابل، ينبه إلى وجود خط اتصال مفتوح بين القيادة الإيرانية والقيادة الروسية على جميع المستويات العسكرية والسياسية والأمنية، موضحًا أن روسيا تتخذ موقفًا أكثر وضوحًا وصراحة، لأنها تدرك أن الحرب على إيران قد تكون حربًا عليها أيضًا، وأن أي سقوط لإيران سيكون مقدمة لمحاصرة روسيا لاحقًا.

ويرى أن المشهد العالمي الحالي ينذر بانفجار كبير، مشيرًا إلى وجود احتمالات متعددة لمسار الحرب: إما أن تنتهي الحرب بدون اتفاق ويستمر كل طرف في قواعد الاشتباك، أو أن تنتهي بمفاوضات وفق الرؤية الإيرانية وبمشاركة روسية، أو أن تتسع رقعة الحرب وتتحول إلى صراع عالمي محدود.

وأكد أن ترامب لا يرغب في الخروج مهزومًا من هذه الحرب، محذرًا من خطورة وجود ترسانة نووية في يد رجل غير متزن، مشيرًا إلى أن أي شعور بالهزيمة قد يؤدي إلى تكرار سيناريو مشابه لما حدث في اليابان في الماضي.

ويرى أن السيناريوهات متعددة ولا يمكن تقديم قراءة واحدة بسبب تغير ظروف الحرب، وتوقف عند الأخبار المتعلقة بوصول وشيك لقوات أمريكية إلى المنطقة وكأن الولايات المتحدة تريد شن حرب برية على إيران، متسائلًا عن نتائج مثل هذه العملية وهل ستتحمل أمريكا أسر أو قتل جنودها، وما ستكون تداعيات ذلك برمتها على المنطقة.

وأكد أنه وفقًا للمسار الحالي، فإن احتمالات التصعيد أعلى من احتمالات التفاوض، وأن ترامب يسعى إلى إيهام العالم إعلاميًا بالنصر، بغض النظر عن حقيقة الإنجازات الميدانية، حيث لم يسقط النظام الإيراني، ولم يتم وقف إطلاق الصواريخ، ولم يتم تدمير البرنامج النووي، وأضاف أن كل ما يفعله ترامب إعلاميًا يبدو وكأنه “نصر وهمي”.

وأشار إلى أن التصعيد مستمر يوميًا، مع ظهور معادلات جديدة، وأن هناك مخاوف كبيرة من توريط الدول العربية في الحرب، لكنه رأى أن من مصلحة هذه الدول عدم التدخل المباشر، وأوضح أن بعض الدول لم ترفض علنًا، وبعضها الآخر رضخ ضمنيًا بالحد الأدنى، مشيرًا إلى أن الحرب مستمرة بتوازنات مختلفة، مع وجود مشاركة أوروبية في المنطقة، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، لكنها لم تتدخل بشكل مباشر.

وأكد أن ما يحدث ليس حربًا عالمية، ولكنه ينذر بتطورات أكبر، وأن الحرب تتسع تدريجيًا بحسب مصالح الدول، موضحًا أنه إذا دخلت دول الخليج في الصراع، فإن الحرب ستصبح أوسع وأشمل، وستتخذ لاحقًا الطابع السني والشيعي، مما يخدم في النهاية مصالح إسرائيل الكبرى.

واختتم فادي بودية حديثه بالتأكيد على أن المشهد الحالي معقد للغاية، وأن الظروف المتغيرة تمنع تقديم قراءة واحدة حاسمة، مع الإشارة إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تصعيد دائم أو تفاوض وفق المعايير الإيرانية.