
في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، ورغم المسافة الجغرافية التي تفصلنا عن النسخة المقبلة من كأس العالم 2026، فإن تداعيات الأحداث الجارية تلقي بظلالها على إمكانية إقامة هذه البطولة. عوامل عديدة، أمنية ومالية، تجعل الإجابة عن سؤال إقامتها تزداد صعوبة يومًا بعد يوم. ليس الأمر متعلقًا برغبة “الاتحاد الدولي لكرة القدم” (فيفا) في تنظيمها، بل لأن البطولة أصبحت أضخم من أن تنفصل عن المناخ الدولي الذي ستُقام فيه.
ظاهريًا، لا يزال “فيفا” متمسكًا بمبدئه التقليدي القائم على “الحياد في المسائل السياسية والدينية”، وهو مبدأ راسخ في نظامه الأساسي. ويؤكد في الوقت نفسه التزامه باحترام حقوق الإنسان ومكافحة التمييز ضمن استراتيجيته الخاصة بالاستدامة وحقوق الإنسان لمونديال 2026. إلا أن هذا الحياد يبدو أقرب إلى لغة مؤسساتية منه إلى واقع عملي. فالبطولة ستُقام في بيئة سياسية وأمنية متوترة، وفي فضاء عام أميركي منقسم، وفي لحظة دولية تتشابك فيها الحروب والهجرة والاستقطاب الداخلي مع أي حدث جماهيري ضخم. وكشفت تقارير استخباراتية حديثة أن التهديد لا يقتصر على هجوم أمني تقليدي على ملعب أو فريق، بل يمتد ليشمل البنية التحتية للنقل، ومناطق المشجعين، والتجمعات الكبرى، واحتمال اضطرابات مدنية مرتبطة بحملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الهجرة. وهذا يُظهر أن الخطر السياسي لا يأتي فقط من الخارج أو من جماعات متطرفة عابرة للحدود، بل من الانقسام الداخلي نفسه، أي من البيئة التي ستستقبل البطولة وتحيط بها إعلاميًا وأمنيًا وشعبيًا.
الأخطر من ذلك أن هذه التهديدات ظهرت في وقت كانت فيه الاستعدادات الأميركية تتعثر بسبب تأخر الإفراج عن 625 مليون دولار من المنح الأمنية الفيدرالية المخصصة للحدث.
ورغم إعلان وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية FEMA في 18 آذار 2026 توزيع كامل هذا المبلغ على المدن الأميركية المستضيفة، فإن صرف الأموال بعد أشهر من التأخير لا يمحو أثر الوقت الضائع، بل يحول المشكلة من “نقص التمويل” إلى “ضيق الوقت” أمام الأجهزة المعنية.
هنا تتضح حدود قدرة “فيفا” على العزل. فالإتحاد الدولي قادر على وضع اللوائح، وفرض القواعد داخل الملاعب، ورفع شعارات مكافحة التمييز، والتنسيق مع الدول المضيفة، لكنه لا يستطيع التحكم في سياق سياسي أميركي داخلي متفجر، ولا أن يضمن بقاء الشوارع المحيطة بالملاعب، أو شبكات النقل، أو ساحات المشجعين، أو الفضاء الرقمي، خارج تأثير الصراع السياسي.
والأهم أنه لا يملك سلطة فصل البطولة عن الملفات الجيوسياسية التي ستلاحقها تلقائيًا، من الحرب والتوترات الإقليمية إلى ملفات الهجرة والاحتجاجات والانقسامات الحادة داخل المجتمع الأميركي. هذا استنتاج تفرضه طبيعة الحدث وحجمه، أكثر مما هو موقف معلن من أي جهة.
كما أن نسخة 2026 نفسها تجعل هذا الفصل أكثر صعوبة. فالبطولة ستقام بين 11 حزيران و19 تموز 2026، بمشاركة 48 منتخبًا ولأول مرة عبر ثلاث دول مضيفة و16 مدينة، فيما تستضيف الولايات المتحدة 78 مباراة بينها الأدوار الحاسمة والنهائي في نيوجيرسي. هذا الاتساع الجغرافي والبشري والإعلامي يعني أن أي حادث أمني أو سياسي، حتى لو كان محدودًا، سيكون عابرًا للمدن والمنصات والشاشات.
بالتالي، وسط علامات الاستفهام حول عملية التمويل، وصولًا إلى خطر الأحداث الأمنية، لا شيء يشير إلى إمكانية تحقيق عزل كامل من قبل “فيفا”، فالسياسة حاضرة سلفًا في المشهد، سواء اعترف “فيفا” بذلك أم واصل التمسك بلغة الحياد.