لبنان: الوضع الحالي لا يسمح بتحمل المزيد من الأعباء

– فادي عيد

لم تعد المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله” ضمن حدود واضحة، بل أصبحت عرضة للتصعيد التدريجي والعنف المفرط. إن تفجير جسر القاسمية بغارة جوية، ليس إلا إشارة تدل على أن إسرائيل تمضي قدمًا في اختبار مدى الردع، مستغلةً الوضع الإقليمي المتوتر لتوسيع عملياتها بحجة ضرب البنية التحتية العسكرية للحزب، وقطع طرق الإمداد إلى جنوب الليطاني وعزل المنطقة عن بقية المناطق.

ترى مصادر دبلوماسية مطلعة، أن المواقف السياسية الإسرائيلية تنم عن نية لحرب طويلة، ما يشير إلى أن إسرائيل تسعى حاليًا إلى استنزاف طويل الأمد، من خلال ضربات دقيقة ومتزايدة تستهدف العمق اللوجستي والبشري للحزب. لكن قصف الجسور، وخاصةً جسر القاسمية، قد لا يحمل أبعادًا عسكرية بقدر ما هو رسالة تهديد وضغط على الدولة اللبنانية والشعب، بأن خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع أصبح واردًا، بعد كسر التوازن القائم، وأصبح الردّ خارج نطاق السيطرة.

بالمقابل، مع بداية استهداف إسرائيل للبنى التحتية في الجنوب، تشير المصادر إلى أن الوقت قد حان لطرح السؤال الأكثر أهمية في الشارع اللبناني، حول إلى أي مدى يمكن للبنانيين تحمل تكلفة حرب لا يتحكمون بقرارها بشكل كامل، خاصة وأن إسرائيل تلمح إلى أن الحرب لم تبدأ بعد، ما يعني أن أي توسع في العمليات العسكرية سيضع البنية التحتية والخدماتية في جميع أنحاء لبنان، تحت ضغط كبير وخطر غير مسبوق، مما قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية تتجاوز ما شهده لبنان في فترات سابقة.

وتضيف المصادر الدبلوماسية، أن مفهوم “تحمل الحرب” لم يعد مقتصرًا على الجانب العسكري، بل يتعلق أيضًا بقدرة المجتمع على الصمود في مواجهة الانهيار الشامل، وليس فقط انهيار طرق التواصل بين المناطق وبين اللبنانيين، لأن أي حرب طويلة الأمد، ستشكل تهديدًا وجوديًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

وفي هذا السياق، يكتسب حديث رئيس الحكومة نواف سلام مساء أمس، أهمية خاصة، بعد أن حاول تحقيق توازن دقيق بين التأكيد على التزام لبنان بالشرعية الدولية، وعلى وجه الخصوص القرار 1701، والاعتراف بواقع معقد تهيمن عليه اعتبارات إقليمية تتجاوز قدرة الدولة على السيطرة الكاملة. ووفقًا لقراءة هذه المصادر، فقد وجه رئيس الحكومة رسالة مزدوجة: إلى الخارج بضرورة حماية لبنان من الانزلاق إلى حرب شاملة، وإلى الداخل بضرورة إعادة الاعتبار لمنطق الدولة كمرجعية وحيدة في قرار السلم والحرب.

إلا أن هذا الخطاب، على الرغم من واقعيته السياسية، يعكس في الوقت نفسه حدود القدرة التنفيذية للحكومة. فالفجوة بين الموقف الرسمي والوقائع الميدانية لا تزال كبيرة، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة السلطة على ترجمة التزاماتها إلى سياسات عملية.

ومع تزايد أجواء الاحتقان بسبب الحرب والنزوح، تكشف المصادر، عن حدوث تحولات في المشهد السياسي، معتبرة أن المرحلة المقبلة ستتحدد بناءً على توازن دقيق بين قرار إسرائيلي بتوسيع نطاق العمليات، وقدرة الساحة اللبنانية على تجاوز المغامرات السياسية والعسكرية المفتوحة للحزب، الذي يبدو واضحًا من خلال تصريحات مسؤوليه بأنه قطع خطوط التواصل مع معظم القوى السياسية، وانخرط في معركة تتجاوز قدرة لبنان على التحمل، في حين تتراكم التكاليف الباهظة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وماليًا.