
في ظل التصاعد المستمر على الجبهة الجنوبية، تتجه الأنظار إلى طبيعة المرحلة الراهنة من المواجهة. لم تعد المعركة محكومة بمنطق الانتصار السريع، بل أصبحت أقرب إلى استنزاف متبادل، حيث يحاول كل طرف إعادة صياغة قواعد الاشتباك. وفي هذا الإطار، قدم العميد المتقاعد والخبير في العلوم السياسية، بهاء حلال، في حوار مع ، تحليلًا مفصلًا للمشهد الميداني والعسكري، كاشفًا عن توازنات دقيقة تحكم سير العمليات.
يؤكد حلال أن ما يحدث اليوم “ليس حسمًا”، بل هو مرحلة استنزاف متبادل تتخللها محاولات لتعديل قواعد الاشتباك، مشيرًا إلى أن المعركة تسير في ثلاثة اتجاهات متوازية: برًا، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى الجو والاستخبارات.
على الأرض، وتحديدًا في منطقتي الخيام والطيبة، يوضح أن أي تقدم إسرائيلي – إن حدث – سيظل “تكتيكيًا ومحدودًا”، يقتصر على قرى حدودية وتلال ونقاط مراقبة.
ويضيف أن “الهدف لا يتمثل في احتلال عميق في هذه المرحلة، بل في دفع حزب الله بعيدًا عن الحدود، وتدمير البنية القريبة من أنفاق ومنصات مراقبة”.
أما فيما يخص الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيشير إلى أن “انتقال حزب الله إلى مدى يتجاوز 200 كلم يشكّل تحولًا لافتًا، إذ يتيح استهداف العمق الإسرائيلي شمالًا ووسطًا”، ويفرض معادلة مفادها: “كلما زاد الضغط بريًا، توسّع الرد نحو العمق”.
في المقابل، يوضح أن “التفوق الإسرائيلي يبقى واضحًا في الجو والاستخبارات، من خلال تنفيذ ضربات دقيقة تستهدف قادة ومخازن، إضافة إلى استهداف مستمر للبنية القيادية واللوجستية”.
وفيما يتعلق بموازين القوى، يوضح حلال أن “حزب الله نجح حتى الآن في منع الحسم البري السريع، إذ لم تتمكن إسرائيل من تحقيق تقدم سهل أو تثبيت سيطرة عميقة، كما حافظ على وتيرة إطلاق النار رغم الضربات، ما يعكس قدرة تحمّل عالية”. ويضيف أن “توسيع مدى الاستهداف إلى ما فوق 200 كلم يحمل قيمة ردعية ونفسية”.
في المقابل، يشير إلى وجود نقاط ضعف، أبرزها الخسائر البشرية والقيادية، حتى وإن لم يُعلن عنها بشكل كامل، بالإضافة إلى التفوق الجوي الإسرائيلي الكامل، فضلًا عن الضغط المتزايد على البيئة الحاضنة نتيجة النزوح والدمار والضغوط الاقتصادية.
وعن ما إذا كان الميدان قد شهد تحولًا حقيقيًا لصالح حزب الله، يجيب حلال بدقة: “ليس بعد”، موضحًا أن ما يحدث هو انتقال من وضع دفاعي بحت إلى “توازن استنزاف”، حيث لم يعد الحزب في حالة تراجع سريع، لكنه في الوقت نفسه لم يفرض معادلة نصر واضحة.
ويحدد ثلاثة شروط أساسية للحديث عن تحول نحو الانتصار: أولًا، وقف أو فشل التقدم البري الإسرائيلي بشكل واضح، ثانيًا، استمرار القدرة على ضرب العمق الإسرائيلي بشكل مؤلم ومستمر، وثالثًا، فرض معادلة ردع جديدة تربط أي تقدم بري بضربات نوعية في العمق.
ويشير إلى أن هذه الشروط لم تتحقق بعد، إذ إن الشرط الأول تحقق جزئيًا، والثاني ما زال محدودًا ومحسوبًا، بينما الشرط الثالث لم يترسخ بالكامل.
وعن التطورات الميدانية، يركز حلال على المحور الشرقي الممتد بين الخيام والطيبة ودير سريان، واصفًا إياه بأنه من أكثر المحاور حساسية وتعقيدًا، نظرًا لاجتماع الجغرافيا المفتوحة نسبيًا مع السيطرة النارية العالية.
في الخيام، يشرح أنها تطل على سهل واسع باتجاه الداخل الإسرائيلي، وتقع بالقرب من مواقع عسكرية حساسة، وتشكل نقطة وصل بين العمق اللبناني والحدود، مما يجعلها مفتاحًا لأي تقدم بري شرقي، والسيطرة عليها تعني كشف الخطوط الخلفية للمقاومة.
أما الطيبة، فهي نقطة تماس مباشر، تمثل خط الاشتباك الأول، والسيطرة عليها توفر منصة نارية متقدمة. بينما تشكل دير سريان عقدة لوجستية دفاعية في العمق، وسقوطها يفتح الطريق لتهديد مناطق أوسع مثل النبطية والزهراني.
ويؤكد حلال أن “التفوق في هذا المحور موزّع بين الطرفين، حيث تمتلك إسرائيل الأفضلية في الجو والاستطلاع والقصف الدقيق والقدرة التدميرية، بينما يتميز حزب الله في القتال القريب، وتنفيذ الكمائن، ومعرفة الأرض، إضافة إلى القدرة على امتصاص الصدمة”.
استراتيجيًا، يرى حلال أن هذا المحور سيحدد مسار المواجهة: إما نجاح إسرائيل في فرض منطقة عازلة تبعد الحزب عن الحدود وتخفف التهديد، أو تحول المنطقة إلى “مستنقع استنزاف” شبيه بما كان عليه الجنوب قبل العام 2000.
ويخلص إلى أن محور الخيام – الطيبة – دير سريان هو “محور اختبار الإرادة” أكثر منه ساحة حسم سريع، حيث تحاول إسرائيل التقدم دون الغرق، بينما يسعى حزب الله إلى منع الحسم دون الكشف الكامل عن قدراته.
النتيجة الحالية، وفق حلال، واضحة: لا حسم… بل استنزاف ثقيل، ومن يصمد أكثر ويكسر التوازن أولًا هو من سيربح هذا المحور.