
“ليبانون ديبايت”-منير شحادة
لم تدخل روسيا الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران بطائراتها وصواريخها، ولم تعلن موسكو أنها أصبحت طرفاً مباشراً في المواجهة. لكن بقراءة ما نشرته مراكز الأبحاث الاستراتيجية ووكالات الأنباء الكبرى خلال الأشهر الماضية تقود إلى استنتاج أكثر أهمية: روسيا لم تقف على الحياد ، بل اختارت أن تساعد إيران بطريقة محسوبة، تحت سقفٍ يمنع تحول الدعم إلى مواجهة روسية ـ أميركية مباشرة.
وهنا تكمن أهمية الدور الروسي.
فالحرب لم تعد، في الحسابات الروسية، مجرد مواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، وإنما تحولت إلى صراع أوسع على شكل النظام الدولي، وعلى موازين القوة في الشرق الأوسط، وعلى قدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من جبهة استراتيجية في وقت واحد.
من الدعم السياسي إلى المساندة الاستخبارية
أبرز ما ظهر خلال الحرب هو الحديث عن انتقال التعاون الروسي ـ الإيراني من المستوى السياسي والعسكري التقليدي إلى مستوى أكثر حساسية: المعلومات والاستخبارات وصور الأقمار الصناعية.
وكالة (رويترز) نقلت في آذار عن مصادر أمنية غربية ومسؤول إقليمي قريب من طهران أن موسكو كانت تزود إيران بصور أقمار صناعية، وأنها ساعدت في تطوير طائرات مسيَّرة إيرانية لتصبح أقرب إلى النسخ التي طورتها روسيا واستخدمتها في حرب أوكرانيا. كما نقلت الوكالة أن وزراء خارجية أوروبيين أثاروا في اجتماع مجموعة السبع مسألة الدور الروسي في مساعدة إيران على استهداف القوات الأميركية.
هذه المعلومات لا تعني أن روسيا أصبحت غرفة العمليات الإيرانية، لكنها تعني شيئاً بالغ الأهمية عسكرياً: في حرب تعتمد بصورة متزايدة على الاستطلاع الفضائي وتحديد مواقع الرادارات ومراكز القيادة والقواعد والسفن، تصبح المعلومة نفسها سلاحاً.
وهذا ما يجعل الدعم الروسي مختلفاً عن مجرد بيع السلاح.
فإذا امتلكت إيران معلومات أفضل عن تحركات القوات الأميركية، أو مواقع القطع البحرية، أو انتشار منظومات الدفاع الجوي، فإنها تستطيع تحسين اختيار أهدافها وتوقيت ضرباتها، حتى من دون أن تطلق روسيا صاروخاً واحداً.
(وول ستريت جورنال): موسكو تساعد طهران على البقاء في الحرب
ذهب تقرير نشرته (وول ستريت جورنال) في آذار أبعد من ذلك، متحدثاً عن توسيع روسيا تبادل المعلومات الاستخبارية والتعاون العسكري مع إيران، بما يشمل صور الأقمار الصناعية وتكنولوجيا محسنة للمسيًّرات.
ووفق التقرير، شمل التعاون مكونات وتعديلات على طائرات (شاهد) لتحسين الاتصالات والملاحة والاستهداف، مع استفادة إيران من الخبرة الروسية المتراكمة في حرب أوكرانيا.
وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها.
فالحرب في أوكرانيا أصبحت بالنسبة إلى روسيا مختبراً ضخماً للحرب الحديثة: حرب المسيَّرات، الحرب الإلكترونية، التشويش، الاستطلاع الفضائي، ضرب شبكات الدفاع الجوي، استنزاف الصواريخ الاعتراضية، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات.
وبالتالي، فإن موسكو لا تقدم لطهران بالضرورة (سلاحاً روسياً) جاهزاً، وإنما يمكن أن تقدم لها ما هو أخطر أحياناً: خبرة الحرب نفسها.
موسكو لا تريد إنقاذ إيران بأي ثمن
لكن هنا يجب تجنب المبالغة.
مركز كارنيغي أشار إلى أن روسيا لم تندفع إلى إنقاذ إيران عسكرياً بشكل مباشر، وأن مساعدتها بقيت محدودة ومحسوبة. وفي تحليل آخر، رأى المركز أن موسكو تبحث أساساً عن النفوذ والقدرة على التأثير أكثر من رغبتها في الانخراط في الحرب نفسها.
وهذا منطقي من وجهة النظر الروسية.
فبوتين يخوض حرباً مفتوحة في أوكرانيا، ولا يستطيع فتح جبهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
لذلك اختارت موسكو صيغة شديدة الذكاء:
ساعد إيران بما يكفي لكي لا تنهار ، لكن لا تساعدها بطريقة تجعل روسيا نفسها طرفاً مباشراً في الحرب.
وهذا يفسر لماذا بقي التعاون الروسي في مناطق مثل المعلومات والاستخبارات والتكنولوجيا والمسيَّرات، بدلاً من إرسال أسراب الطائرات الروسية أو وحدات عسكرية روسية إلى إيران.
لماذا تحتاج روسيا إلى إيران قوية؟
الجواب لا يتعلق فقط بالعلاقة الروسية ـ الإيرانية.
بالنسبة إلى موسكو، سقوط إيران أو إضعافها بصورة استراتيجية يعني إعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط بطريقة يمكن أن تكون شديدة الضرر للمصالح الروسية.
إيران هي واحدة من القوى الرئيسية التي تحد من النفوذ الأميركي في المنطقة. وبالتالي، فإن إضعافها يعني بصورة غير مباشرة توسيع المجال الأميركي والإسرائيلي.
وهنا تلتقي المصالح.
روسيا تريد منع الولايات المتحدة من تحقيق انتصار استراتيجي كبير يسمح لها بإعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق شروطها.
وإيران تريد البقاء في الحرب وإفشال الأهداف الأميركية والإسرائيلية.
وبين الهدفين تتشكل مساحة واسعة للتعاون.
حرب إيران تخدم موسكو بطريقة أخرى
لكن المفارقة أن روسيا قد تستفيد من الحرب حتى لو لم تقدم لإيران كل ما تطلبه.
مركز كارنيغي أشار إلى أن الحرب رفعت أسعار النفط، الأمر الذي يوفر لروسيا عوائد إضافية، كما أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى تحويل جزء من الموارد العسكرية الأميركية والغربية بعيداً عن أوكرانيا.
أما مجلس العلاقات الخارجية الأميركي CFR فرأى أن الحرب الإيرانية أصبحت ذات فائدة اقتصادية واستراتيجية لموسكو، ولا سيما من خلال ارتفاع عائدات الطاقة وإمكانية زيادة الضغط على الموارد الغربية التي تحتاج إليها أوكرانيا.
بمعنى آخر:
كلما طال أمد الحرب، ازدادت الضغوط على الولايات المتحدة.
وهذا بالنسبة إلى الكرملين مكسب استراتيجي بحد ذاته.
استنزاف أميركا هو الهدف الروسي الأهم
ربما يكون هذا هو المفتاح لفهم السياسة الروسية.
موسكو لا تحتاج بالضرورة إلى أن تنتصر إيران عسكرياً على الولايات المتحدة.
يكفيها أن:
لا تنهار إيران.
لا تحقق إسرائيل نصراً حاسماً.
تطول الحرب.
تستنزف الولايات المتحدة صواريخها الاعتراضية ومواردها العسكرية.
ترتفع كلفة الانتشار الأميركي في الشرق الأوسط.
ينخفض تركيز واشنطن على أوكرانيا.
تتسع الشكوك لدى حلفاء أميركا حول قدرة واشنطن على حماية مصالحهم.
وهذه بالضبط إحدى النقاط التي يلفت إليها تحليل كارنيغي، الذي رأى أن الهجمات الإيرانية المتكررة يمكن أن تجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على استهلاك كميات من صواريخ الاعتراض التي كان يمكن استخدامها في جبهات أخرى، بما فيها أوكرانيا.
موسكو تتعلم من حرب أوكرانيا… وطهران تتعلم منها
العلاقة أيضاً ليست باتجاه واحد.
إيران قدمت لروسيا خلال حرب أوكرانيا طائرات مسيَّرة وأسلحة ومكونات عسكرية، فيما قامت روسيا بتطوير بعض هذه التكنولوجيا واكتساب خبرة ميدانية واسعة في استخدامها.
والآن يمكن أن تعود بعض هذه الخبرة إلى إيران.
وهكذا يصبح المشهد أشبه بـحلقة تعلم عسكرية مشتركة:
إيران أعطت روسيا المسيَّرات والخبرة في بعض أنواع الحرب غير المتماثلة، وروسيا أعادت إلى إيران نسخاً مطورة وخبرة عملياتية وتقنيات أكثر تقدماً.
وهذا أخطر من صفقة أسلحة تقليدية، لأنه يعني بناء منظومة تعاون عسكري تتطور من حرب إلى أخرى.
ماذا تقول مراكز الأبحاث الغربية؟
المثير أن التقدير الغربي ليس موحداً.
(تشاتام هاوس) يصف السياسة الروسية بأنها محاولة للموازنة بين دعم طهران وتجنب التورط المباشر، ويؤكد أن العلاقة الاستراتيجية بين البلدين لا تتضمن التزاماً روسياً بالدفاع العسكري المباشر عن إيران.
أما (كارنيغي) فيرى أن موسكو تتحرك بحثاً عن النفوذ والقدرة على التأثير، وليس بالضرورة بهدف خوض الحرب إلى جانب إيران.
في المقابل، يذهب (معهد الشرق الأوسط) إلى تقييم أكثر تشدداً، إذ تحدث عن تزويد إيران ببيانات استهداف عبر الأقمار الصناعية، وتكنولوجيا للمسيَّرات ذات التحكم بالألياف الضوئية، ومساعدات عسكرية أخرى، معتبراً أن موسكو أصبحت عاملاً مهماً في قدرة طهران على مواصلة الحرب.
إذن، الخلاف ليس على وجود تعاون روسي ـ إيراني، بل على مداه وحجمه وحدود الدور الروسي.
والأهم: ماذا حدث بعد أشهر من الحرب؟
التطور الأكثر دلالة جاء في تموز.
(رويترز) نقلت أن ضربات إيرانية بطائرات مسيَّرة استهدفت منشآت تابعة للاستخبارات الأميركية في الخليج أثارت داخل المجتمع الاستخباري الأميركي أسئلة حول احتمال وجود دور روسي في توفير معلومات الاستهداف أو التكنولوجيا المتقدمة.
وأشارت الوكالة إلى تقييمات استخبارية غربية تفيد بأن بعض المسيَّرات الإيرانية المستخدمة في هجمات دقيقة ربما استفادت من تقنيات روسية للملاحة بالأقمار الصناعية. لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الاستنتاجات لم تصل إلى مستوى الحسم النهائي.
وهنا يجب أن يكون التحليل دقيقاً:
ليس من الصحيح القول إن روسيا (أدارت) العمليات الإيرانية.
لكن ليس من الصحيح أيضاً تجاهل المؤشرات المتعددة التي تتحدث عن مساعدة روسية استخبارية وتقنية.
روسيا تلعب الحرب… ولكن من خلف الكواليس
السياسة الروسية تبدو إذاً أقرب إلى استراتيجية (الحرب بالوكالة غير المعلنة) منها إلى التحالف العسكري التقليدي.
موسكو لا تريد أن تقول لواشنطن:
(نحن نحاربكم).
بل تريد أن تقول شيئاً أكثر تعقيداً:
(لن أسمح لكم بأن تحاربوا إيران من دون أن أدخل عاملاً جديداً إلى حساباتكم).
وهذا العامل هو الاستخبارات الروسية، والأقمار الصناعية، والخبرة العسكرية، وتكنولوجيا المسيَّرات، والعلاقات الاقتصادية، والطاقة، والغطاء الدبلوماسي.
وفي الوقت نفسه، تبقي موسكو باب التفاوض مفتوحاً.
فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بحث مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في آذار سبل الانتقال إلى تسوية سياسية، بينما أكدت موسكو أن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لا تتضمن بند دفاع مشترك يلزم روسيا بالدخول في الحرب.
وهذه الازدواجية ليست تناقضاً.
إنها الاستراتيجية نفسها.
لماذا لا تدخل روسيا الحرب مباشرة؟
لأن الدخول المباشر سيكون مكلفاً جداً.
روسيا لا تريد مواجهة جوية مباشرة مع القوات الأميركية.
كما أن أي إسقاط لطائرة روسية أو أميركية يمكن أن يخلق ديناميكية تصعيد لا يستطيع الطرفان التحكم بها.
لذلك تفضِّل موسكو المنطقة الرمادية:
معلومات، تكنولوجيا، أسلحة، تدريب، تعاون فضائي، دعم سياسي، تجارة، وطاقة.
كل ذلك دون رفع العلم الروسي فوق جبهة الحرب.
لكن هناك خطراً آخر
إذا استمرت الحرب، فقد يتطور التعاون الروسي ـ الإيراني من مساعدة تكتيكية إلى شراكة عسكرية أكثر مؤسسية.
وهنا ستكون النتيجة بعيدة المدى.
فإذا خرجت إيران من الحرب وهي لا تزال تمتلك قدراتها الصاروخية والمسيَّرة، وفي الوقت نفسه حصلت على خبرات روسية جديدة في الحرب الإلكترونية والاستطلاع الفضائي والدفاع الجوي، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل ستواجهان إيران مختلفة عن إيران التي دخلت الحرب.
وإذا حصلت روسيا في المقابل على خبرة إضافية في مواجهة منظومات الدفاع الغربية في الشرق الأوسط، فإن موسكو ستكون قد تعلمت من حرب أخرى من دون أن تضطر إلى خوضها مباشرة.
روسيا لا تخوض الحرب الإيرانية نيابة عن إيران، لكنها أيضاً ليست متفرجاً.
المشهد الذي تكشفه تقارير (رويترز) و(وول ستريت جورنال) وتحليلات كارنيغي وتشاتام هاوس ومعهد الشرق الأوسط يشير إلى دعم روسي متعدد المستويات، أبرز عناوينه المعلومات الاستخبارية، صور الأقمار الصناعية، التكنولوجيا العسكرية، تطوير المسيًّرات، التعاون العسكري والسياسي، والاستفادة الاقتصادية والاستراتيجية من إطالة الحرب.
لكن بوتين يرسم خطاً أحمراً واضحاً: مساعدة إيران من دون الدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة.
وهذا يجعل الدور الروسي أكثر خطورة من التدخل العسكري التقليدي في بعض الجوانب؛ لأن موسكو تستطيع أن تؤثر في ميزان المعركة وهي خارجها رسمياً.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل تساعد روسيا إيران؟
بل: إلى أي حد تستطيع روسيا مساعدة إيران من دون أن تعتبر واشنطن نفسها في مواجهة مباشرة مع موسكو؟
فالشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الحرب مجرد صراع بين دولتين أو محورين، وإنما أصبحت اختباراً للنظام الدولي نفسه.
وإذا كانت أوكرانيا قد جعلت روسيا تتعلم كيف تواجه الغرب، فإن حرب إيران تمنح موسكو فرصة لاختبار شيء آخر: كيف يمكن إضعاف القوة الأميركية، وإجبارها على توزيع مواردها على أكثر من جبهة، من دون إطلاق رصاصة روسية واحدة على جندي أميركي.
وهنا تحديداً تكمن قيمة الدور الروسي في الحرب:
ليس في عدد الصواريخ التي ترسلها موسكو إلى طهران، بل في مقدار الكلفة الإضافية التي تستطيع أن تفرضها على واشنطن من وراء الستار.