
“ليبانون ديبايت”- وليد خوري
لا يمكن قراءة ما يجري على جبهة الجنوب من خلال حجم الغارات الإسرائيلية وحدها، ولا من خلال مقارنة الضربات بعدد الردود. فثمة عامل سياسي دخل بقوة إلى حسابات المواجهة: الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول 2026، والتي تسبق الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني 2026 بأسبوع واحد فقط، بما يجعل الأسابيع المقبلة مرحلة شديدة الحساسية في حسابات حزب الله وإيران على السواء.
الفكرة الأساسية التي تحكم سلوك حزب الله، وفق قراءة تتقاطع مع معلومات من مصدر قيادي رفيع في حزب الله، هي عدم الانجرار إلى فتح جبهة واسعة مهما ارتفع مستوى الاستفزاز الإسرائيلي. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالقدرة على الرد أو بطبيعة الخرق، بل بنتيجة هذا الرد سياسياً. وأي مواجهة كبيرة في الجنوب اليوم قد تمنح بنيامين نتنياهو تحديداً ما يحتاج إليه قبل انتخابات 27 تشرين الأول: جبهة عسكرية مفتوحة يستطيع من خلالها استعادة المبادرة، وتوسيع عملياته، وتحويل أي تقدم ميداني أو ضربة كبيرة إلى مادة انتخابية داخل إسرائيل.
بهذا المعنى، لا ينظر حزب الله إلى الاستفزاز الإسرائيلي باعتباره فعلاً عسكرياً يستدعي رداً آلياً، بل باعتباره أيضاً محاولة محتملة لجره إلى توقيت لا يخدمه. وهنا يكمن جوهر الحساب الجديد: ليس كل رد مفيداً لمجرد أنه رد، وليس كل امتناع عن التصعيد علامة ضعف. أحياناً يكون الامتناع عن الدخول في المعركة التي يريدها الخصم جزءاً من إدارة المواجهة نفسها.
وبحسب المصدر، فإن قرار الرد على الخروقات الإسرائيلية لم يُسحب، لكن هناك فارقاً بين الرد وبين فتح الحرب. الحزب يستطيع أن يتحرك ضمن هامش محسوب، لكنه لا يريد أن يمنح إسرائيل الذريعة أو الفرصة للانتقال إلى عملية واسعة في الجنوب قبل الانتخابات. فالأسوأ بالنسبة إليه ليس الضربة الإسرائيلية في حد ذاتها، بل أن تنجح إسرائيل في تحويل رد الحزب عليها إلى بداية معركة يخوضها نتنياهو بشروطه وتوقيته.
وهذا يفسر إلى حد بعيد استمرار الضغط الإسرائيلي من دون انتقال الجبهة، حتى الآن، إلى انفجار شامل. إسرائيل تضرب وتغتال وتنفذ عمليات ميدانية وتواصل سياسة التدمير في مناطق جنوبية، فيما يبقى حزب الله حريصاً على ألا يتحول هذا المسار إلى مواجهة مفتوحة. فالهدف، وفق هذه القراءة، هو منع نتنياهو من الحصول على صورة نصر جديدة من لبنان، لا سيما أن أي عملية برية واسعة أو سيطرة على مواقع، وعلى رأسها “علي الطاهر”، أو إظهار تراجع للحزب، يمكن أن تدخل فوراً في قلب حملته الانتخابية.
من هنا يصبح هدوء الجبهة نسبياً جزءاً من معركة سياسية غير معلنة. حزب الله لا يريد أن يخوض حرباً لأن نتنياهو يحتاج إليها، ولا يريد أن يسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي باستخدام الجنوب منصة لإعادة إنتاج صورته أمام الناخب الإسرائيلي. لذلك، فإن ضبط الإيقاع حتى 27 تشرين الأول قد يكون بالنسبة إلى الحزب أكثر فائدة من الانجرار إلى مواجهة تمنح خصمه فرصة يحتاج إليها في لحظة سياسية حساسة.
لكن الحساب الإيراني يسير في اتجاه مختلف من حيث الأداة، لا من حيث الهدف. ففي طهران، لا يبدو جنوب لبنان الورقة الأكثر فاعلية في التأثير على الانتخابات الأميركية، بل مضيق هرمز وأسعار الطاقة. فكلما بقيت حركة الملاحة غير مستقرة، وكلما استمرت المخاطر على إمدادات النفط وكلفة الشحن والتأمين، بقي الضغط على أسعار المحروقات قائماً داخل الولايات المتحدة، وتحولت الأزمة إلى عبء إضافي على الإدارة والجمهوريين قبل الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني.
ولهذا، من المرجح أن تحافظ إيران على حالة التذبذب في المضيق حتى انقضاء الاستحقاق الأميركي. لا حاجة إلى إغلاق كامل ودائم يحمّل طهران نفسها كلفة هائلة، ولا إلى فتح طبيعي يعيد الطمأنينة إلى الأسواق. الأفضل بالنسبة إليها إبقاء المشهد بين الاثنين: تهدئة لا تستقر، ومفاوضات لا تصل إلى خاتمة، وحركة ملاحة تبقى محكومة بالقلق. فالقيمة السياسية للورقة الإيرانية تكمن في استمرار عدم اليقين أكثر مما تكمن في الإغلاق بحد ذاته.
وعليه، تبدو المقاربة على الجبهتين مختلفة، لكنها تنطلق من منطق واحد. حزب الله يريد سحب لبنان من يد نتنياهو كأداة انتخابية، فيما تريد إيران إبقاء ورقة الطاقة حاضرة في الداخل الأميركي حتى 3 تشرين الثاني. في الجنوب يجري خفض الحرارة، وفي هرمز يجري الحفاظ عليها ضمن مستوى محسوب.
ولهذا قد تكون الأسابيع المقبلة مرحلة إدارة أعصاب أكثر منها مرحلة حسم. نتنياهو يحتاج إلى إنجاز، وحزب الله يريد حرمانه منه. واشنطن تحتاج إلى استقرار في الطاقة، وطهران لا ترى مصلحة في منحها ذلك سريعاً.
أما بعد إقفال الصناديق، فقد تصبح الحسابات مختلفة تماماً.