
يتحوّل ملف اللواء السوري السابق عادل عيسى تدريجياً إلى واحد من أكثر الملفات القضائية حساسية أمام الدولة اللبنانية، مع اقتراب لحظة اتخاذ القرار بشأن طلب السلطات السورية تسليمه، في ظل تداخل القانون بالقضاء والسياسة والاعتبارات الحقوقية، ودخول طلب اللجوء السياسي على خط القضية.
وكانت السلطات اللبنانية قد أوقفت عيسى، القائد السابق للفرقة 17 في الجيش السوري، على خلفية طلب سوري بملاحقته، فيما بات ملفه أمام النيابة العامة التمييزية تمهيداً لتحديد المسار القانوني الذي سيُعتمد في التعامل مع طلب استرداده.
وعلم أن النقاش الجاري داخل الأروقة القضائية لم يعد يدور حول وجود طلب سوري فحسب، بل حول الجهة التي ستتحمل، في نهاية المطاف، مسؤولية اتخاذ قرار بهذه الحساسية، وما قد يترتب عليه من تداعيات قانونية وسياسية وحقوقية.
فثمة مسار أول يستند إلى الاتفاق القضائي اللبناني – السوري الموقّع في 25 شباط 1951، والذي ينظم، من بين أمور أخرى، التعاون القضائي وتسليم المطلوبين بين البلدين، ويمنح النيابة العامة التمييزية دوراً أساسياً في آلية التعامل مع طلبات الاسترداد.
لكن معلومات تشير إلى اتجاه قضائي يفضّل عدم حصر مسؤولية حسم ملف عيسى بالنائب العام التمييزي، ودفع القضية بدلاً من ذلك نحو الآلية العامة للاسترداد، بحيث تنتقل في نهاية المطاف إلى السلطة التنفيذية ويصدر القرار بمرسوم.
ويجد هذا الاتجاه مرتكزاً في المادة 35 من قانون العقوبات اللبناني، التي تنص على إحالة طلب الاسترداد إلى النائب العام التمييزي للتحقيق في توافر الشروط القانونية ومدى ثبوت التهمة، قبل إحالة الملف إلى وزير العدل مشفوعاً بتقرير، على أن يُبت بطلب الاسترداد بمرسوم يصدر بناءً على اقتراح وزير العدل.
وبحسب مصادر ، تكمن حساسية هذا الخيار في عدم وضع النائب العام التمييزي منفرداً في واجهة قرار قد تكون له انعكاسات كبيرة، وبالتالي نقل المسؤولية إلى الحكومة، بحيث يصبح تسليم عيسى، في حال حصوله، قراراً تتحمله الدولة اللبنانية بمؤسساتها، لا قاضياً بمفرده.
ويزداد الملف تعقيداً مع دخول العامل السوري بقوة على خطه.
فقد دخل القائم بأعمال السفارة السورية في لبنان ورئيس البعثة الدبلوماسية السورية في بيروت، إياد الهزاع، على خط القضية، إذ تكشف معلومات عن اتصالات مكثفة يجريها مع جهات لبنانية معنية، في إطار الدفع باتجاه تسليم عيسى إلى السلطات السورية وعدم إطالة أمد الملف.
وفي المقابل، يقف أمام خيار التسليم بُعد حقوقي لا يمكن للدولة اللبنانية تجاهله، خصوصاً أن القانون السوري لا يزال يجيز عقوبة الإعدام، الأمر الذي يفتح الباب أمام إشكالية تتعلق بمصير عيسى في حال تسليمه، والضمانات التي يمكن أن تطلبها بيروت قبل اتخاذ قرار من هذا النوع.
وهنا تكمن إحدى أكبر العقد أمام الدولة اللبنانية: هل يمكن المضي في التسليم في ظل احتمال مواجهة المطلوب عقوبة الإعدام أو مخاطر أخرى؟ ومن سيتحمّل المسؤولية القانونية والسياسية والحقوقية المترتبة على هذا القرار؟
ومن شأن هذه الاعتبارات أن تستقطب اهتمام منظمات حقوقية لبنانية ودولية، خصوصاً في ضوء مبدأ عدم الإعادة القسرية والالتزامات المتعلقة بحماية الأشخاص من خطر التعذيب أو المعاملة القاسية وضمان حقهم في محاكمة عادلة.
لكن التطور الذي قد يعيد خلط أوراق الملف جاء من فريق الدفاع عن عيسى.
فقد تحرك وكيله لفتح مسار قانوني موازٍ، عبر التقدم بطلب لمنحه اللجوء السياسي في لبنان، في خطوة من شأنها أن تصبح عنصراً أساسياً في محاولة منع التسليم.
ويستند الطلب إلى قانون تنظيم الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه، الذي يجيز، في المادة 26، للأجنبي الملاحق أو المحكوم عليه بجرم سياسي من سلطة غير لبنانية، أو الذي تكون حياته أو حريته مهددتين لأسباب سياسية، طلب حق اللجوء السياسي.
أما المادة 27، فتضع قرار منح اللجوء في يد لجنة مؤلفة من وزير الداخلية رئيساً، ومديري العدلية والخارجية والأمن العام أعضاءً، ويكون صوت وزير الداخلية مرجحاً عند تساوي الأصوات، فيما لا يقبل قرار اللجنة أي طريق من طرق المراجعة.
وبذلك، لم يعد ملف عادل عيسى مجرد معاملة استرداد تنتظر قراراً قضائياً.
أمام الدولة اللبنانية اليوم مساران متوازيان: طلب سوري تدعمه متابعة واتصالات مكثفة للدفع نحو تسليم عيسى، وفي المقابل طلب لجوء سياسي يسعى من خلاله فريق الدفاع إلى قطع الطريق على عملية التسليم.
وبين المسارين، تقف النيابة العامة التمييزية أمام معضلة تتجاوز النصوص القانونية إلى سؤال المسؤولية: هل يُحسم الملف وفق خصوصية الاتفاق القضائي اللبناني – السوري، أم يُدفع نحو الآلية التي تنتهي بمرسوم، فتنتقل كرة النار إلى الحكومة؟
قضية عادل عيسى تحولت بذلك إلى اختبار للدولة اللبنانية بين التزاماتها القضائية تجاه سوريا، وضغط دمشق لاستعادته، والاعتبارات الحقوقية المحيطة بتسليمه، والمسار الذي فتحه دفاعه بطلب اللجوء السياسي.
وفي النهاية، لم يعد السؤال فقط ما إذا كانت دمشق تريد عادل عيسى، بل من في بيروت سيتحمّل مسؤولية القرار وتداعياته إذا حانت لحظة التسليم؟