
في تطور خطير ذي أبعاد عسكرية واقتصادية، بدأ تنفيذ قرار الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على إيران، وسط ضبابية تحيط بآليات التنفيذ واحتمالات التصعيد في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط عالمياً.
وفقًا لتقرير الصحافي “John Ismay” في صحيفة “The New York Times”، يفتقر هذا الحصار الذي أُعلن عنه يوم الاثنين إلى سوابق مماثلة في العقود الأخيرة، بينما لم تكشف المؤسسة العسكرية الأميركية إلا عن معلومات قليلة حول كيفية تطبيقه على أرض الواقع، مما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة بناءً على تجارب سابقة في المنطقة.
وكان الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” قد أعلن يوم الأحد، عن إصدار أمر بفرض حصار على إيران ومضيق هرمز، وهو الممر المائي الضيق الذي يفصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، ويعتبر شريانًا حيويًا لنقل جزء كبير من النفط العالمي. لكن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) سارعت في اليوم التالي إلى تقليص نطاق العملية، موضحة أن الهدف هو منع السفن التجارية من دخول الموانئ الإيرانية أو الخروج منها.
وفي بيان رسمي، أكدت القيادة أن الحصار سيُطبق “بشكل محايد على سفن جميع الدول”، وسيستهدف الموانئ الإيرانية على جانبي المضيق، مشيرة إلى أن التفاصيل التنفيذية لا تزال “قيد التطوير”. ولم توضح البيانات الرسمية مصير السفن التي قد تحاول كسر الحصار.
من الناحية العملية، تشير التقديرات إلى أن البحرية الأميركية قد تستخدم مدمرات حربية لمراقبة حركة السفن عبر الرادارات، إلا أن طول الساحل الجنوبي لإيران يجعل هذا الخيار مكلفًا من حيث الانتشار العسكري. البديل المقترح هو تمركز سفن حربية على جانبي مضيق هرمز، مدعومة بطائرات مسيرة لمراقبة الموانئ.
في حال رصد سفينة تعتبر “هدف موضع اهتمام”، يتم إرسال مدمرة لاعتراضها، حيث يجري اتصال عبر أجهزة الراديو البحري للاستفسار عن وجهتها وحمولتها وعدد أفراد طاقمها، قبل طلب الإذن لفريق تفتيش بالصعود على متنها. في الحالات المثالية، تمتثل السفينة لهذه الإجراءات، لكن السيناريو الأخطر هو تجاهل الأوامر ومحاولة الهرب.
قد تتم عملية الصعود إلى السفن عبر قوارب صغيرة باستخدام سلالم، لكن الظروف البحرية الصعبة قد تدفع إلى استخدام المروحيات، حيث ينزل الجنود عبر حبال خاصة، وهي تقنية أثبتت فعاليتها في عمليات سابقة، خاصة في اعتراض ناقلات نفط فنزويلية في البحر الكاريبي.
وعلى الرغم من أن هذه العمليات تبدو تقنية، إلا أن تكلفتها عالية، إذ سبق أن كلف احتجاز ناقلات نفط عشرات الملايين من الدولارات، في ظل قيود قانونية تمنع بيع حمولتها دون إذن قضائي.
ليست التجربة الأميركية في الخليج جديدة، فهي تعود إلى ما بعد حرب الخليج عام 1991، عندما كانت البحرية الأميركية تعترض ناقلات نفط عراقية ضمن برنامج “النفط مقابل الغذاء”. كانت غالبية هذه العمليات “متعاونة”، حيث كانت السفن تلتزم بالإجراءات، ويتم اقتيادها إلى مناطق احتجاز قبل بيع حمولتها.
أما على مستوى الحصار الشامل، فإن آخر تجربة مماثلة تعود إلى عام 1962 خلال أزمة الصواريخ الكوبية، عندما فرضت واشنطن “حجرًا بحريًا” على كوبا، في خطوة اعتُبرت آنذاك عملاً حربياً بموجب القانون الدولي.
في السياق الحالي، يختلف الحصار المفروض على إيران من حيث الحجم والتعقيد، إذ يتجاوز استهداف شحنات محددة ليطال حركة الملاحة نحو دولة بأكملها، مما يضع المنطقة أمام اختبار دقيق للتوازنات العسكرية والاقتصادية، خاصة في ظل حساسية مضيق هرمز بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية وتأثيراته المحتملة على لبنان والمنطقة.