
كتب موقع “BGR”:
لطالما كانت طبيعة الثقوب السوداء محاطة بالغموض، لكن بعض علماء الفلك يعتقدون أن الإجابات أقرب مما نتوقع. هناك نظرية فلكية هامشية، تُعرف باسم “علم الكونيات للثقوب السوداء”، تقترح أننا جميعًا نعيش داخل ثقب أسود. وقد يكون هذا الثقب الأسود نفسه موجودًا داخل كون آخر، وهذا الكون بدوره يقع داخل ثقب أسود، وهكذا إلى ما لا نهاية. هذه الفكرة ظهرت منذ نصف قرن، ولكنها لم تحظَ بالكثير من الاهتمام في البداية. ومع ذلك، فقد أعادت سلسلة من الدراسات الحديثة تسليط الضوء على هذا النموذج الكوني المذهل.
إن مفهوم الثقوب السوداء في علم الكونيات قد طرحه الفيزيائي النظري راج كومار باثريا في دراسة نُشرت عام ١٩٧٢ في مجلة Nature. استلهم باثريا فكرته من نظرية النسبية لأينشتاين (التي تدعمها الآن خريطة جديدة للمادة المظلمة) ومن أعمال كارل شوارتزشيلد، وهو عالم الفلك الذي حل معادلات النسبية العامة لأينشتاين لأول مرة. أظهرت أعمال شوارتزشيلد أن هناك حدًا لكمية المادة التي يمكن أن تشغل حيزًا معينًا، وأي جسم مادي إذا ضُغط في ذلك الحيز فإنه سينهار ليتحول إلى ثقب أسود. هذا الحد يُعرف بنصف قطر شوارتزشيلد. على سبيل المثال، نصف قطر شوارتزشيلد للشمس يبلغ حوالي ميلين. فإذا ضُغطت الشمس لتصبح كرة نصف قطرها ميلين فقط، فإنها ستتحول إلى ثقب أسود.
أدرك باثريا أن نصف قطر الكون المرئي هو نفسه نصف قطر شوارزشيلد لكتلة الكون. وهذا أمر لا يُتوقع عادةً إلا من ثقب أسود.
عندما طرح راج كومار باثريا نظرية الكونيات القائمة على الثقوب السوداء، والمعروفة أيضًا باسم نظرية شوارزشيلد، لم تلقَ النظرية قبولًا واسعًا. إلا أن دراستين نُشرتا عام ٢٠٢٥ قد تُغيران هذا الواقع. الأولى ورقة بحثية نُشرت في مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية، تناولت صورًا لأكثر من ٢٥٠ مجرة بعيدة التقطها تلسكوب جيمس ويب الفضائي، الذي يجري تطويره حاليًا باستخدام الذكاء الاصطناعي. أظهرت الدراسة أن ثلثي المجرات تقريبًا تدور باتجاه عقارب الساعة، بينما تدور البقية عكس اتجاه عقارب الساعة. وعلى نطاق الكون الشاسع، من المفترض نظريًا أن يكون التوزيع متساويًا. إن حقيقة دوران غالبية المجرات في اتجاه محدد قد تُشير إلى أن الكون نفسه يدور. لا يوجد تفسير واضح لهذه الظاهرة، لكنها تتوافق مع سلوك الثقب الأسود.
ذهبت دراسة أخرى نُشرت في مجلة Physical Review D خطوة أبعد، إذ اقترحت نموذجًا جديدًا لتكوين الكون يتوافق مع نظرية علم الكونيات للثقوب السوداء. وتقترح هذه الدراسة أن الانهيار الجذبي للثقب الأسود قد يُحدث ارتدادًا، مُحوّلًا المادة من حالة الانضغاط إلى حالة التمدد. في هذا النموذج، لم يكن الانفجار العظيم بداية كل شيء، بل كان مجرد ارتداد من هذا القبيل. وهذا منطقيٌّ بشكلٍ مُدهش عند التفكير فيه. فقد نشأ الانفجار العظيم من نقطة تفرد، والانهيار الجذبي الذي يُنشئ الثقوب السوداء يُؤدي أيضًا إلى نقطة تفرد. ماذا لو كانت نقطة التفرد التي سبقت الانفجار العظيم قد نشأت بدورها من انهيار جذبي؟
إذا كان كوننا يقع داخل ثقب أسود، فإن ذلك يثير تساؤلات جوهرية. أولًا، ما الذي يحتويه هذا الثقب الأسود؟ ثانيًا، ما الذي تحتويه الثقوب السوداء في كوننا المرئي؟ بعد عشرين عامًا من نشر راج كومار باثريا بحثه الرائد الذي وضع أسس علم الكونيات للثقوب السوداء، نشر الفيزيائي لي سمولين كتابًا بعنوان “حياة الكون”، حيث يجادل بأن تكوّن كل ثقب أسود يخلق كونًا جديدًا. وبالتالي، فإن كوننا يقع داخل كون آخر، وكل ثقب أسود يمكننا رصده يحتوي على كون آخر بداخله.
اقترح سمولين أنه في كل مرة يُخلق فيها كون جديد داخل ثقب أسود، تحدث بعض الاختلافات العشوائية التي تجعل هذا الكون فريدًا عن غيره. وهذا يُحاكي نظرية التطور لتشارلز داروين، حيث تُرسّخ الاختلافات الجينية العشوائية سابقةً للأجيال المقبلة. وبفضل قوة “الانتخاب الطبيعي الكوني”، اكتسب كوننا سماتٍ مثل النجوم، وفي نهاية المطاف، الحياة نفسها.
من المستحيل إثبات أو دحض نظريات علم الكونيات المتعلقة بالثقوب السوداء والانتخاب الطبيعي الكوني بشكل قاطع باستخدام الأدوات والبيانات المتاحة لدينا حاليًا، ولكن لو كانت هذه النظريات صحيحة، لساعدت في حلّ بعض الثغرات في معرفتنا الكونية، مثل الدليل على أن المادة المظلمة قد تكون أقدم من الانفجار العظيم. كما أنها تفتح آفاقًا أوسع لفهم الكون، حيث لا تكون القوانين صارمة كما كنا نعتقد سابقًا.