
في خضم تصعيد إسرائيل والولايات المتحدة لغاراتهما داخل إيران، تتزايد المخاوف من انزلاق مماثل على الجبهة اللبنانية، حيث تبدو العمليات العسكرية سائرة في مسار ميداني معقد، ينقصه تصور سياسي واضح لما سيحدث بعد انتهاء القتال.
ووفقًا لتقرير للصحافي آفي أشكنازي في “معاريف”، فإن الحرب التي استمرت قرابة الشهر شهدت مكاسب تكتيكية كبيرة للجيش الإسرائيلي والجيش الأميركي، إلا أن الصورة الاستراتيجية ما زالت غير واضحة المعالم، مع صعوبة تقييم النتائج النهائية في هذه المرحلة.
ويوضح التقرير أن الهجمات داخل إيران شهدت تغييرًا في الأهداف خلال الأيام الأخيرة، حيث ركز الجيش الإسرائيلي على 3 محاور رئيسية: أولًا، استهداف أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية بهدف تمهيد الطريق أمام سلاح الجو للتوسع في العمق الإيراني؛ ثانيًا، ضرب منصات إطلاق الصواريخ الباليستية التي تستخدم في استهداف إسرائيل ودول الخليج؛ وثالثًا، توجيه ضربات للبنية التحتية للصناعات العسكرية، بما في ذلك المصانع الرئيسية ومراكز التطوير والموردين الثانويين وصولًا إلى الورش الصغيرة والمختبرات المتخصصة.
كما استهدفت الضربات منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، بما في ذلك موقع المياه الثقيلة في أراك، بالإضافة إلى مصانع الصلب، في إطار محاولة لإنشاء ما يشبه “الأرض المحروقة”، بحيث تجد طهران نفسها أمام صعوبة في إعادة بناء قدراتها العسكرية والأمنية على المدى القريب والمتوسط.
وفي السياق ذاته، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرض شروط لأي تسوية مستقبلية، تشمل تسليم اليورانيوم المخصب، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفرض رقابة على برنامج الصواريخ الباليستية. إلا أن التحدي، بحسب التقرير، يكمن في قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها، مستفيدة من مواردها وتحالفاتها مع دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وفنزويلا.
وبالتوازي، يظهر بعد إقليمي آخر يتمثل في تهديد حركة الملاحة، خاصة بعد إطلاق صاروخ من اليمن باتجاه إسرائيل، مما يعزز المخاوف من تحرك الحوثيين لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما قد يدفع نحو تشكيل تحالف إقليمي يضم مصر والأردن والسعودية والإمارات لضمان أمن الممرات البحرية.
ولكن في مقابل هذا التصعيد في إيران، تبدو الجبهة اللبنانية هي الأكثر حساسية. إذ ينقل التقرير شهادات من شمال إسرائيل تفيد بأن الجيش الإسرائيلي حشد عشرات الآلاف من الجنود في جنوب لبنان وعلى الحدود، وتمركز في مواقع قريبة من الخط الحدودي، من مئات الأمتار إلى بضعة كيلومترات، قبل أن يتوقف ويعتمد ما يعرف بـ “الدفاع الأمامي”.
وهذا التمركز، وفقًا للتقديرات، يضع القوات في وضع ضعيف، حيث تتعرض لنيران كثيفة من حزب الله، تشمل صواريخ مضادة للدروع وقذائف غير مباشرة، مما أدى إلى زيادة عدد الإصابات خلال الأيام الأخيرة.
ويشير التقرير إلى أن الخطة الإسرائيلية تقوم على التقدم نحو نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح بينه وبين الخط الأزرق، في محاولة لإعادة صياغة “الحزام الأمني”، ولكن تحت مسميات جديدة مثل “خط دفاع أمامي” أو “خط أصفر شمالي”.
غير أن هذا التوجه يثير مخاوف من تكرار تجارب سابقة، حيث قد تتحول هذه المنطقة إلى ما يشبه “ميدان استنزاف”، في ظل غياب خطة سياسية واضحة لليوم التالي، وهو ما يعكس دخول إسرائيل إلى جنوب لبنان “بقوة عسكرية كبيرة، ولكن بقدر محدود من التفكير السياسي”.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار العمليات دون تحديد مسار نهائي يثير تساؤلات جدية داخل إسرائيل نفسها حول أهداف الحرب ومآلاتها، في وقت تتداخل فيه الجبهات من إيران إلى لبنان، مما يعقد المشهد الإقليمي ويجعل أي خطأ في التقدير مكلفًا على أكثر من صعيد.