مبادرات "عكس اتجاه النار" ووقف إطلاق النار: مجرد "وهم"؟

في مسعى معاكس لاتجاه التصعيد، وبحذر شديد، تتقدم المبادرات والجهود التي ترعاها الأمم المتحدة بهدف تحقيق وقف لإطلاق النار، وهو أمر يكاد يصبح وهماً بعيد المنال أكثر من كونه خياراً واقعياً.

الزيارة الأخيرة للأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى بيروت، وما سبقها من تحرك للمنسقة الخاصة جينين هينيس بلاسخارت، لم تصل بعد إلى مرحلة الحلول العملية، بحسب ما تراه أوساط سياسية مطلعة، والسبب الوحيد في ذلك هو أن الأمم المتحدة، التي تستند من الناحية النظرية إلى القرار 1701، تفتقر عملياً إلى الآليات اللازمة لفرضه، خاصة في ظل التغيرات السريعة في موازين القوى الميدانية وغياب إرادة أمريكية واضحة لفرض وقف إطلاق النار.

وتشير هذه الأوساط لـ إلى أن المبادرة الفرنسية حاولت الاعتماد على توافق لبناني داخلي، وربطت بين وقف إطلاق النار ومجموعة إجراءات تشمل تعزيز دور الدولة والجيش، لكنها واجهت عاملين حاسمين: أولاً، إحالتها فعلياً إلى الموقف الإسرائيلي بغطاء أميركي، وثانياً، تراجع هامش القرار الداخلي لدى “حزب الله” لصالح ارتباط أوثق بالحسابات الإقليمية، وتحديداً مع إيران.

وبناءً على ذلك، ترى الأوساط أن فرص أي مبادرة أوروبية أو أممية أصبحت محدودة جداً على المدى المنظور، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى إسرائيل، فالصراع لم يعد مقتصراً على لبنان وإسرائيل، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع بين طهران وتل أبيب، مما يجعل قرار وقف إطلاق النار يتجاوز بكثير حسابات الداخل اللبناني.

وانطلاقاً من المؤشرات الراهنة، فمن الواضح أن التراجع غير وارد حالياً بالنسبة للحزب، كما تقول الأوساط، على اعتبار أن المواجهة مرتبطة بتوازن الردع مع إسرائيل، وليست كجبهة منفصلة يمكن تجميدها بقرار سياسي داخلي، وأن أي وقف لإطلاق النار دون مكاسب واضحة قد يُفسَّر كتنازل في لحظة إقليمية حساسة، بينما تعتمد استراتيجية إسرائيل على استنزاف قدرات الحزب وتوسيع هامش الضغط عليه.

وخلاصةً لما سبق، تعتبر الأوساط أن مبادرة الأمم المتحدة توقفت عند حدود التأثير الدبلوماسي غير المدعوم بأدوات ضغط فعلية، في حين أن وقف إطلاق النار تحول إلى وهم ورهينة لتطورات أكبر من الجهات التي تقوم بالمبادرات.