
“ليبانون ديبايت”
فتح الرئيس فؤاد السنيورة نافذة سياسية لافتة باتجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري، بعدما نوّه بخطابه في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، لكنه صاغ هذا التقاطع ضمن شروط واضحة: الدولة وحدها تفاوض، وقرار الحرب والسلم بيدها، ولا سلاح شرعياً خارج مؤسساتها العسكرية والأمنية.
وأشاد السنيورة بتمسك بري بوحدة لبنان واستقلاله وسيادته وهويته العربية والعيش المشترك والسلم الأهلي، إضافة إلى اتفاق الطائف وضرورة استكمال تطبيقه تحت رعاية الدولة ومؤسساتها الدستورية وأجهزتها الشرعية.
وقال إن بري رسم في خطابه “خطاً سياسياً ووطنياً لبنانياً واضحاً”، داعياً إلى تضافر الجهود من أجل إعادة قيام الدولة والوطن والمؤسسات على قواعد اتفاق الطائف والدستور.
غير أن السنيورة لم يكتفِ بتأييد العناوين العامة، بل ذهب مباشرة إلى الملفات الخلافية، مؤكداً حصرية القرار الوطني وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، وحصرية السلاح بالمؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، وأن الدولة هي التي تفاوض باسمها وعن نفسها.
من هنا، لا يمكن قراءة موقف السنيورة بوصفه انضماماً كاملاً إلى مقاربة بري، بقدر ما يمثل محاولة لبناء نقطة التقاء معه على قاعدة استعادة الدولة لقرارها. فبري رفض في خطابه إنشاء مناطق عازلة أو أحزمة أمنية في الجنوب، كما رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت النار، وكرر اعتراضه على اتفاق الإطار، معتبراً أن الجولات السابقة لم تحقق نتائج.
أما السنيورة، فأعاد التشديد على موقفه السابق من اتفاق الإطار، ودعا اللبنانيين إلى الوقوف إلى جانب الدولة وممثليها الشرعيين من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستعادة القرار الوطني وإعادة إعمار ما تهدم، مع الحفاظ على كامل حقوق لبنان.
وبذلك، يلتقي الرجلان عند رفض فرض الحلول الإسرائيلية، والتمسك باتفاق الطائف، وحماية السلم الأهلي، ودعم الجيش، واعتبار الدولة المرجعية الوحيدة في التفاوض. إلا أن السنيورة يضيف إلى هذا التقاطع بنداً أكثر صراحة في الداخل، هو حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية.
وتكمن دلالة الموقف في أنه يصدر عن رئيس حكومة سابق شكّل تاريخياً أحد أبرز وجوه المواجهة السياسية مع “حزب الله”، في وقت يحاول بري تثبيت موقعه بوصفه مرجعية تفاوضية وسياسية للطائفة الشيعية، من دون الانقلاب على الحزب أو الدخول في صدام داخلي حول سلاحه.
كما يأتي موقف السنيورة وسط تباين بين بري ورئيس الجمهورية جوزاف عون بشأن مقاربة التفاوض. فعون يدفع نحو مسار يهدف إلى إنهاء حالة العداء وتثبيت سلطة الدولة والجيش، فيما يشدد بري على رفض التفاوض تحت النار وعلى عدم القبول بأي صيغة تكرس الأحزمة الأمنية أو تنتقص من السيادة.
السنيورة لم يدخل في مواجهة مباشرة مع عون، لكنه اختار التقاط العناصر التي طرحها بري وإعادة صياغتها تحت سقف الدولة وحصرية الشرعية. وهنا تحديداً تكمن الرسالة: يمكن دعم موقف بري في مواجهة الاحتلال، ولكن من دون منح أي جهة خارج الدولة حق امتلاك السلاح أو اتخاذ قرار الحرب.
وعليه، فإن التقاطع بين السنيورة وبري ليس تحالفاً سياسياً جديداً ولا اصطفافاً كاملاً، بل تفاهم على حدود مشتركة: لا مناطق عازلة، لا تنازل عن الأرض، ولا تفاوض باسم لبنان خارج الدولة. أما الامتحان الحقيقي، فيبقى في ترجمة العبارة الأكثر حساسية التي وضعها السنيورة في قلب موقفه: السلاح حصراً في يد الشرعية.