من ميلوني إلى ماتاريلا... عون يبحث مستقبل الجنوب في إيطاليا

حمل رئيس الجمهورية جوزاف عون ملف الجنوب ومستقبل الوجود الدولي فيه إلى إيطاليا، حيث التقى مساء الجمعة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا في مدينة تارانتو بجنوب البلاد، وبحث معهما العلاقات الثنائية، واستمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان، وتطبيق اتفاق الإطار، إضافة إلى الترتيبات التي يمكن اعتمادها بعد انتهاء مهمة قوات «اليونيفيل».

والتقى عون ميلوني في قلعة «كاستيلو أراغونيزي»، حيث عرض الجانبان العلاقات اللبنانية – الإيطالية وسبل تطويرها في مختلف المجالات، في وقت يحظى فيه الملف الأمني والعسكري في جنوب لبنان بحيز أساسي من الاتصالات بين بيروت وروما.

وشكر رئيس الجمهورية ميلوني على الدعم الذي تقدمه إيطاليا للبنان على المستويات المختلفة، ولا سيما دعم الجيش اللبناني والمشاركة الإيطالية الطويلة في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.

وبحث عون مع رئيسة الحكومة الإيطالية الأوضاع في لبنان عمومًا وفي الجنوب خصوصًا، في ضوء استمرار العمليات الإسرائيلية، مشددًا على ضرورة ممارسة الضغط على إسرائيل للالتزام بتطبيق اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية في واشنطن.

كما شكر عون إيطاليا على استضافتها جولات من المفاوضات الثلاثية المتعلقة بتنفيذ الاتفاق، وعلى الدور الذي تؤديه روما في الاتصالات الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار في الجنوب.

وحضر ملف ما بعد «اليونيفيل» بصورة أساسية في المحادثات، إذ ناقش عون وميلوني المرحلة التي ستلي انتهاء عمل القوة الدولية والترتيبات المطلوبة لمنع حصول فراغ أمني في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني.

ويكتسب هذا الملف أهمية متزايدة مع اقتراب الموعد المحدد لإنهاء العمليات الفعلية لـ«اليونيفيل». وكان مجلس الأمن قد قرر، بموجب القرار 2790، تمديد ولاية القوة للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية خفض قوامها وانسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال مدة تصل إلى سنة.

وبموجب القرار الأممي، يفترض أن تصبح الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب، بالتوازي مع تعزيز قدرات الجيش اللبناني وانتشاره، بينما طلب مجلس الأمن البحث في خيارات للمساعدة على مراقبة الخط الأزرق ودعم تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب «اليونيفيل».

وتُعد إيطاليا من أبرز الدول المعنية مباشرة بهذا الانتقال، ليس فقط لكونها من أكبر الدول المساهمة عسكريًا في «اليونيفيل»، بل أيضًا بسبب إعلانها استعدادها للاستمرار في دعم الاستقرار جنوب لبنان حتى بعد انتهاء مهمة القوة الدولية.

وتسمح السلطات الإيطالية حاليًا بانتشار يصل إلى 1256 عسكريًا إيطاليًا ضمن المهمة، إلى جانب مئات الآليات البرية ووسائل جوية، فيما تتولى إيطاليا أيضًا قيادة القطاع الغربي لـ«اليونيفيل»، الذي تسلم قيادته في 6 آب الجاري الجنرال أندريا بيرتاتسو.

وكان وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو قد أبلغ الرئيس عون خلال زيارة سابقة إلى بيروت أن بلاده ترغب في إبقاء قوات لها في جنوب الليطاني بعد انسحاب «اليونيفيل»، مشيرًا إلى وجود دول أوروبية أخرى تفكر في الاتجاه نفسه، بهدف مساعدة الجيش اللبناني على حفظ الأمن والاستقرار.

كما سبق لميلوني أن أكدت أن وجودًا دوليًا على الحدود بين لبنان وإسرائيل سيبقى ضروريًا، وأن الدور الإيطالي يمكن أن يكون مؤثرًا، مع ضرورة إيجاد إطار قانوني واضح لأي صيغة جديدة تحل مكان المهمة الأممية أو تواكب الجيش اللبناني بعد انتهائها.

ولا يقتصر الدعم الإيطالي على القوات الدولية، إذ واصلت روما خلال الأشهر الماضية تقديم مساعدات مباشرة للجيش اللبناني. وفي حزيران، تسلم الجيش هبة إيطالية لدعم قدراته الطبية والاستجابة للطوارئ، فيما قدمت اللجنة الفنية العسكرية الإيطالية من أجل لبنان في تموز 6 آليات إلى الجيش في إطار التعاون العسكري بين الجانبين.

وكان رئيس أركان الدفاع الإيطالي الجنرال لوتشيانو بورتولانو قد أكد خلال زيارته لبنان في نيسان استمرار دعم القوات المسلحة الإيطالية للجيش، وربط هذا الدعم بالحفاظ على استقرار لبنان وتنفيذ أهداف القرار 1701.

وبالتوازي مع لقائه ميلوني، التقى عون الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا في قلعة «كاستيلو أراغونيزي»، وبحث معه العلاقات التاريخية بين البلدين، فضلًا عن التطورات في لبنان والمنطقة.

وشاركت سفيرة لبنان لدى إيطاليا كارلا جزار في اللقاءين.

وتأتي لقاءات عون مع المسؤولين الإيطاليين ضمن زيارة بدأها في روما، وشملت قبل انتقاله إلى تارانتو لقاء البابا لاوُن الرابع عشر ومسؤولي دولة الفاتيكان.

وكانت محادثات عون في الفاتيكان قد تركزت بدورها على اتفاق الإطار والوضع في جنوب لبنان، إذ عبّر الكرسي الرسولي عن قلقه من الصعوبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، مؤكدًا دعمه للجهود الرامية إلى الوصول إلى سلام عادل ودائم.

وتكتسب محطة تارانتو أهمية إضافية لأنها تتزامن مع افتتاح دورة ألعاب البحر المتوسط، التي تستضيفها المدينة الإيطالية من 21 آب حتى 3 أيلول، وهو ما أتاح عقد اللقاءات السياسية على هامش وجود عدد من المسؤولين والقادة في المدينة.

وكانت تقارير إيطالية قد أشارت عشية اللقاءات إلى أن مستقبل «اليونيفيل» وإمكان إنشاء قوة متعددة الجنسيات بديلة يشكلان محورًا رئيسيًا في زيارة عون، في ظل تحرك إيطالي – فرنسي لمنع حصول فراغ أمني بعد انتهاء المهمة الدولية.

ويأتي التحرك الرئاسي في وقت لا تزال فيه العمليات الإسرائيلية مستمرة في جنوب لبنان بالتوازي مع تعثر تنفيذ أجزاء من اتفاق الإطار، وخصوصًا ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي وتسليم المناطق إلى الجيش اللبناني.

وتعوّل بيروت على الدور الإيطالي في أكثر من اتجاه: الضغط من أجل تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، دعم الجيش اللبناني ليتولى مسؤوليات أكبر في الجنوب، واستحداث صيغة دولية أو أوروبية تضمن استمرار المراقبة والمساندة بعد إنهاء «اليونيفيل» عملياتها.

وبذلك، تحولت زيارة عون إلى إيطاليا من محطة بروتوكولية إلى جولة مرتبطة مباشرة بأحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى لبنان خلال المرحلة المقبلة: من سيواكب الجيش في الجنوب بعد «اليونيفيل»، وكيف يمكن منع الفراغ الأمني، وما الدور الذي تستطيع إيطاليا أن تؤديه في تثبيت اتفاق الإطار ودفع إسرائيل إلى تنفيذ التزاماتها.