
أشعلت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا موجة غضب واسعة في تركيا، حيث قُرئت العملية على أنها رسالة مباشرة إلى أنقرة ومحاولة لعرقلة توسع حضورها العسكري في سوريا، فيما ارتفعت نبرة الخطاب في وسائل الإعلام التركية إلى حد الدعوة علنًا إلى مواجهة إسرائيل.
وبحسب تقرير للصحافي عميت أفيتان في موقع “واللا” الإسرائيلي، حظيت الضربة بتغطية واسعة في وسائل الإعلام التركية الرئيسية، التي لم تتعامل معها باعتبارها استهدافًا لبنية عسكرية سورية فقط، بل كإشارة موجهة إلى أنقرة والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ووضعت صحيفة “تركيا” الخبر في واجهة تغطيتها تحت عنوان: “استفزاز خطير من إسرائيل… هاجمت مطارًا على بعد 55 كيلومترًا من حدودنا”.
أما صحيفة “جمهورييت” المعارضة، فركزت على تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل، وعلى المخاوف الإسرائيلية من تقديم أنقرة مساعدة لإعادة بناء سلاح الجو السوري.
وفي موقع “سوزجو” الإخباري، ورد أن الهجوم جاء في ظل “التوتر الأمني المتصاعد بين إسرائيل وتركيا”، فيما تساءلت وسائل إعلام أخرى عما إذا كان توقيت الضربة يهدف إلى توجيه تحذير مباشر إلى أردوغان.
وتكمن إحدى أبرز نقاط التوتر في أن وفدًا عسكريًا تركيًا كان قد زار القاعدة قبل ساعات قليلة فقط من الهجوم.
وبحسب وكالة “أسوشيتد برس” ومصادر سورية، وصل الوفد التركي لمعاينة أعمال التأهيل الجارية في الموقع ودراسة إمكان إعادة المطار إلى الخدمة، وغادر أفراده القاعدة قبل وقت قصير من استهداف الطائرات الإسرائيلية المدرج والمنشآت التابعة له.
ولم تُسجّل إصابات، إلا أن الهجوم ألحق أضرارًا بالبنية التحتية للقاعدة.
وتكرر ذكر الزيارة التركية في التغطيات الإعلامية داخل تركيا، باعتبارها دليلًا، وفق تلك القراءات، على أن الهدف من الضربة كان ضرب خطط أنقرة في سوريا.
وقال محللون أتراك إن إسرائيل “خشيت وصول الجنود الأتراك إلى القاعدة”، وإنها تسعى إلى منع تركيا من المساعدة في إعادة بناء سلاح الجو السوري وإنشاء منظومة دفاع جوي يمكن أن تحد من حرية الحركة الإسرائيلية.
وذهب المحلل التركي المتخصص في السياسات الأمنية ميته يارار إلى أبعد من ذلك، إذ هاجم، خلال بث مباشر، صورة القوة العسكرية الإسرائيلية، قائلًا: “إذا كانت لديك الجرأة، فلنقاتل يا إسرائيل”.
وأضاف: “هل تستطيع إسرائيل العمل بمفردها ضد إيران؟ وهل لدى لبنان أو من هم في غزة وسائل دفاع غير الأسلحة الخفيفة؟ إن صورة القوة التي لا تُهزم والتي جرى بناؤها ليست سوى فقاعة ذهنية قائمة على منظومات مثل F-35”.
وحظيت تصريحاته باهتمام واسع في موقع “يني شفق”، الذي يُعد من أبرز وسائل الإعلام المقربة من الحكومة التركية.
وتزامنت الضربة أيضًا مع تصريحات أدلى بها أردوغان في مقابلة مع شبكة “الجزيرة” قبل يوم واحد، أعلن خلالها عزمه زيارة دمشق “في أقرب وقت ممكن”، مشددًا على أن بلاده لن تتخلى عن الحكومة السورية الجديدة.
وقال أردوغان: “سوريا شقيقتنا، ولن نتركها وحدها أبدًا. تركيا ستواصل القيام بكل ما يلزم لضمان استقرارها”.
وعندما سُئل عن التصريحات الصادرة في إسرائيل ضد تركيا، قال: “نحن لا نتحدث معكم عن الحرب، بل عن السلام وعن كيفية ضمان السلام العالمي. لكن إذا كان هناك من سيهاجم تركيا بهدف جلب الحرب لا السلام، فإن تركيا لن تتراجع أمام الحرب ولن تهرب منها”.
وأضاف: “أقول ذلك بوضوح وحزم، رغم أننا لا نريد أن نعيش شيئًا كهذا”.
وكانت إسرائيل قد أعلنت مسؤوليتها عن الضربة، موضحة أن سوريا كانت على وشك السماح لقوات تركية بالانتشار في قاعدة جوية قرب حلب، وهي خطوة قالت إنها كانت ستشكل خرقًا للوضع الأمني القائم وتهديدًا لأمنها.
وجاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن إسرائيل حذرت دمشق مرات عدة، إلا أن الأخيرة اختارت تجاهل هذه التحذيرات.
وأضاف البيان: “إسرائيل لن تتسامح مع تهديدات لأمنها، وسترحب بالعودة إلى الوضع القائم”.
في المقابل، رفضت أنقرة التبرير الإسرائيلي.
ووصف مكتب الاتصال في الرئاسة التركية الرواية الإسرائيلية بأنها “ادعاءات غير مقبولة تهدف إلى تبرير هجمات جوية غير قانونية ضد سيادة سوريا ووحدة أراضيها”.
وأضاف البيان التركي أن تصريحات إسرائيل نابعة من رغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في “مواصلة سياسة التوسع وزعزعة الاستقرار قبيل الانتخابات في إسرائيل”.
وشددت أنقرة على أنها ستواصل تعاونها “المشروع” مع الحكومة السورية، وأنها “لن تسمح بزعزعة استقرار سوريا”.
ودخل السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك بدوره على خط الانتقادات، واصفًا الضربة بأنها “تصعيد غير ضروري لا يساهم في الاستقرار الإقليمي”.
وقال براك إن أنقرة لم تتلقَّ إنذارًا مسبقًا، وإن القوات التركية كان يمكن أن تفسر تحرك الطائرات الإسرائيلية شمالًا على أنه هجوم يستهدفها، ما كان قد يدفعها إلى إطلاق مقاتلاتها.
ودعا إلى إنشاء آلية تنسيق أكثر فاعلية بين إسرائيل وتركيا وسوريا لمنع تكرار سيناريو مشابه قد يؤدي إلى تدهور أوسع.
وبحسب التلفزيون السوري، استهدفت 8 ضربات المدرج ومنشآت تخزين وحظيرة داخل القاعدة، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تنفيذ الطائرات الحربية 4 طلعات.
وتقع قاعدة أبو الظهور في المنطقة الممتدة بين محافظات إدلب وحلب وحماة، ولم تُستخدم في نشاط جوي منتظم منذ سنوات، إلا أن أعمال إعادة تأهيل بدأت فيها مؤخرًا في إطار التعاون العسكري المتوسع بين أنقرة ودمشق.
وهكذا، لم تعد ضربة أبو الظهور تُقرأ في تركيا باعتبارها حادثة عسكرية داخل الأراضي السورية فحسب، بل كاحتكاك مباشر مع مشروع أنقرة العسكري في سوريا، ما يرفع مستوى الحساسية بين الطرفين ويجعل أي خطوة ميدانية مقبلة قابلة لأن تتحول سريعًا إلى اختبار مفتوح بين إسرائيل وتركيا.