
“ليبانون ديبايت”
تلال علي الطاهر “مربط الفرس” في تحديد مسار الأمور خلال المرحلة المقبلة، لناحية احتمال عرقلة المفاوضات أو الذهاب إلى مواجهة واسعة قد لا تقتصر تداعياتها على لبنان، بل تمتد إقليمياً، ولا سيما في ظل اعتبار إيران هذه التلال بمثابة “مضيق هرمز” ومن هنا، فإن استهداف مناطق مثل أنصار ودير الزهراني لا يمكن فصله عن مجمل التحركات الإسرائيلية في الجنوب، ولا عن المسار السياسي والتفاوضي الموازي، بما يفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل تكتفي إسرائيل بتوسيع نطاق عملياتها العسكرية بصورة مؤقتة، أم أنها تعمل تدريجياً على إعادة تعريف “الحيز الأمني” الذي تعتبره ضرورياً لحماية حدودها؟
وفي قراءة استراتيجية للتصعيد الإسرائيلي المتواصل في جنوب لبنان، أفاد الخبير العسكري العميد بهاء حلال لـ”ليبانون ديبايت”بأن إسرائيل قد تكون بدأت عملياً بتوسيع “نطاق العمل الأمني” من دون أن تعلن رسمياً إنشاء منطقة أمنية جديدة، محذراً من أن استهداف مناطق مثل أنصار ودير الزهراني قد يشكل مؤشراً إلى انتقال إسرائيلي تدريجي من حماية الحدود إلى إدارة “العمق الأمني” بالنيران.
وأوضح حلال أن التحفظ يبقى قائماً على وصف ما جرى في أنصار ودير الزهراني بأنه أصبح، حتى الآن، “منطقة عازلة إسرائيلية” بالمعنى العملياتي الكامل، مشدداً على أن التعبير الأدق هو “توسيع غير معلن لحيّز الاستهداف والردع والضغط”.
وأشار إلى أن ضرب أنصار ودير الزهراني في 15 آب جاء في موجة تصعيد وُصفت بأنها من الأكثر دموية منذ اتفاق الإطار، مع سقوط 11 شهيداً وإصابة 19، فيما أعلنت إسرائيل أن ضرباتها جاءت رداً على هجوم أصاب جنوداً إسرائيليين.
لماذا أنصار ودير الزهراني مهمتان؟
ولفت حلال إلى أن أهمية أنصار ودير الزهراني لا ترتبط فقط بمكان الغارة، وإنما بالمسافة التي قطعتها الضربة عن الحزام الحدودي التقليدي، موضحاً أن البلدتين تقعان في العمق النسبي للجنوب، وبالتالي فإن استهدافهما يحمل رسالة عملياتية مختلفة عن قصف القرى الملاصقة للخط الأزرق.
وقال إن إسرائيل “لا تقول بالضرورة: هذه منطقة أمنية جديدة، بل تتصرف كما لو أن لديها حقاً أمنياً في العمل داخلها”، معتبراً أن هذا الفرق بالغ الأهمية.
وأضاف أنه في حال تكرر استهداف هذه المنطقة، وأصبح القصف يمتد بصورة منهجية إلى أنصار – دير الزهراني – حبوش – النبطية الفوقا – زوطر – علي الطاهر، فإن ذلك قد يعني الانتقال من “خط أمني جغرافي إلى حيز أمني متحرك”.
وبرأي حلال، فإن هذا السيناريو أكثر خطورة استراتيجياً من إعلان منطقة عازلة، لأن الإعلان يضع حدوداً يمكن التفاوض عليها، بينما يتيح “الحيز الأمني المتحرك” لإسرائيل إعادة تعريف العمق الذي تعتبره مهدداً وفقاً للظروف.
كلاوزفيتز… الحرب ليست جغرافيا فقط
واستند حلال في قراءته إلى مفهوم كارل فون كلاوزفيتز للعلاقة بين الحرب والسياسة، مشيراً إلى أن القوة العسكرية لا تعمل بمعزل عن السياسة، وأن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن الغارات على أنصار ودير الزهراني يمكن أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من “عملية تفاوض بالنار”، بحيث تقول إسرائيل عملياً إنه إذا لم تنتج المفاوضات ترتيبات أمنية تلبي تصورها، فإنها تسعى إلى إنتاج هذه الترتيبات ميدانياً.
وأوضح أن إسرائيل قد لا تنتظر الحصول على منطقة أمنية عبر نص تفاوضي، بل تحاول خلق واقع عملياتي يمكن أن يتحول لاحقاً إلى نقطة انطلاق للتفاوض، مشيراً إلى أن القوة العسكرية تصبح، في هذه الحالة، أداة لفرض واقع سياسي لم يكن ليُقبل في الظروف الطبيعية.
ورأى أن توقيت الضربات يكتسب أهمية خاصة، لا سيما أن مسؤولين لبنانيين ربطوا التصعيد مباشرة بالمسار التفاوضي.
ليدل هارت… صناعة المنطقة الأمنية من دون احتلال
وفي مقاربة مستندة إلى مفهوم باسل ليدل هارت للاستراتيجية غير المباشرة، أشار حلال إلى أن إسرائيل قد لا تحتاج في هذه المرحلة إلى دخول أنصار أو دير الزهراني برياً، بل يكفي أن تجعل المنطقة غير مستقرة أمنياً، ومعرضة للضرب في أي وقت، ومكلفة عسكرياً ومدنياً، وصعبة الاستخدام للحركة والانتشار، ومرتبطة ذهنياً لدى السكان بفكرة «المنطقة الخطرة».
واعتبر أن القصف، وفق هذا المنطق، يمكن أن يتحول إلى أداة لصناعة منطقة أمنية من دون احتلالها، لافتاً إلى أن المنطقة الأمنية الحديثة ليست بالضرورة منطقة تنتشر فيها الدبابات، بل قد تكون منطقة لا تستطيع فيها القوة المعادية التحرك بحرية بسبب التفوق الناري والاستطلاع المستمر.
صن تزو… السيطرة على البيئة قبل السيطرة على الأرض
كذلك استند حلال إلى أفكار صن تزو، موضحاً أن الحرب لا تقوم فقط على تدمير القوة المعادية، وإنما أيضاً على تغيير البيئة التي تتحرك فيها هذه القوة.
وأشار إلى أن هذا المنظور قد يفسر أهمية استهداف العمق الجنوبي حتى عندما لا يكون الهدف المباشر منشأة عسكرية كبيرة، معتبراً أن إسرائيل تحاول ربما إيصال رسالة مفادها أنه “ليس هناك مكان يمكن اعتباره آمناً تماماً إذا اعتبرناه مرتبطاً بالبنية العسكرية لحزب الله”.
وأضاف أن الهدف في هذه الحالة هو توسيع مجال عدم اليقين، معتبراً أن “عدم اليقين نفسه سلاح استراتيجي”.
من “الخط الأصفر” إلى “العمق الأمني”
ورأى حلال أن النقطة الأهم تتمثل في احتمال انتقال إسرائيل من التصور الأمني القائم على منطقة جنوبية محددة إلى محاولة بناء “طبقة أمنية ثانية” خلف الطبقة الأولى.
وأوضح أن المشهد يمكن تصوره على النحو الآتي: “الخط الأزرق، ثم منطقة التماس، ثم الحزام الأمني أو خط العمل الإسرائيلي، وصولاً إلى العمق الأمني الجديد”.
وبحسب حلال، فإن إسرائيل قد تكون بذلك تحاول الانتقال من “منع الخطر من الاقتراب من الحدود” إلى “منع تشكل الخطر في عمق جنوب لبنان أصلاً”، معتبراً أن هذا يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة المقاربة الأمنية.
هل أصبح هناك نطاق أمني جديد؟
وفي المقابل، شدد حلال على ضرورة الدقة في توصيف الواقع الميداني، مؤكداً أنه لا توجد حتى الآن معطيات كافية للقول إن إسرائيل أعلنت أو ثبتت منطقة أمنية جديدة تمتد رسمياً إلى أنصار ودير الزهراني.
لكنه لفت إلى وجود مؤشرات على “توسيع مجال العمل العسكري”، معتبراً أن الفرق بين المفهومين مهم؛ إذ لا يوجد إعلان إسرائيلي واضح عن إنشاء منطقة أمنية تمتد إلى هذه المناطق، فيما تبدو المؤشرات على تحول بعضها إلى “حيز عمليات إسرائيلي” أقوى.
وأشار إلى وجود مؤشرات واضحة أيضاً على توسيع نطاق الاستهداف وفرض معادلة ردع تتجاوز الحزام التقليدي المحاذي للحدود، فيما يبقى الحديث عن محاولة إنتاج “عمق أمني جديد”في إطار الاحتمال الاستراتيجي القوي، من دون إمكانية الجزم بعد بأن هذا العمق ثُبّت كواقع أمني دائم.
وشرح أن المشهد قد يكون أمام تدرج يبدأ بتوسيع نطاق العمليات والاستهداف، مروراً بفرض الردع خارج الحزام التقليدي، وصولاً إلى محاولة تحويل هذا التوسع إلى عمق أمني مستقر، وهي المرحلة التي لم تُحسم بعد.
ولفت حلال إلى أن دير الزهراني ليست جديدة تماماً على قائمة الاستهداف الإسرائيلي، إذ سبق أن تعرضت لضربات، كما استُهدفت في حزيران منطقة طريق حبوش–دير الزهراني، ولذلك شدد على أنه “لا ينبغي بناء الاستنتاج كله على غارة واحدة، وما يجب مراقبته هو النمط”.
الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة
وحدد حلال خمسة مؤشرات من شأنها تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بتوسيع مؤقت أم بمحاولة إنشاء “منطقة أمنية فعلية غير معلنة”.
ويتمثل المؤشر الأول، بحسبه، في معرفة ما إذا كانت الضربات ستتكرر في أنصار ودير الزهراني، والثاني في ما إذا كانت ستنتقل إلى القرى المحيطة بصورة منتظمة.
أما المؤشر الثالث فيتعلق بمواكبة الضربات الجوية باستطلاع مسيّر كثيف ومستمر، فيما يتمثل الرابع في بدء استهداف طرق ومحاور الحركة، وليس فقط أهداف محددة.
ويتمثل المؤشر الخامس، وفق حلال، في معرفة ما إذا كانت مرتفعات مثل علي الطاهر وزوطر الشرقية ستدخل في منظومة عمليات واحدة.
وقال إنه في حال اجتمعت هذه العناصر، يصبح من الممكن الحديث استراتيجياً عن “توسيع مجال السيطرة بالنيران”، وليس مجرد سلسلة من الغارات الانتقامية.
وأضاف أن التصعيد الحالي يتزامن أيضاً مع استمرار الحديث عن عمليات إسرائيلية في مرتفعات علي الطاهر، ما يجعل الربط بين “العمق والمرتفعات ومحاور الحركة” أكثر أهمية من النظر إلى كل غارة بصورة منفردة.
ما الهدف الإسرائيلي الأبعد؟
وفي تقديره للأهداف الإسرائيلية المحتملة، حدد حلال أربعة مستويات تبدأ بالردع، مروراً بتفكيك العمق العملياتي والضغط على المفاوض اللبناني، وصولاً إلى إعادة تعريف الجغرافيا الأمنية.
وأوضح أن الهدف الأول يتمثل في إعادة تثبيت معادلة مفادها أن أي نشاط عسكري لحزب الله سيؤدي إلى رد يتجاوز نقطة الحادث.
أما الهدف الثاني، فيتمثل في تفكيك العمق العملياتي ومنع تشكيل مناطق خلفية آمنة يمكن استخدامها للتخزين أو القيادة أو الحركة.
في حين يتعلق الهدف الثالث، وفق حلال، بالضغط على المفاوض اللبناني، من خلال إيصال رسالة إلى بيروت بأن الحدود الإسرائيلية للأمن لا تتطابق بالضرورة مع الحدود اللبنانية للمفاوضات.
أما الهدف الرابع، والأخطر استراتيجياً برأيه، فيتمثل في إعادة تعريف الجغرافيا الأمنية، بحيث يصبح “العمق الجنوبي” نفسه موضوعاً تفاوضياً.
وهنا، بحسب حلال، يتحول القصف إلى أداة تفاوضية وليس مجرد أداة عسكرية.
الخلاصة
وخلص حلال إلى أن إسرائيل لم تعلن رسمياً توسيع نطاق أمني جديد، لكنها قد تكون “بدأت في بنائه بالنار”، معتبراً أن هذا المسار أكثر مرونة من الإعلان المباشر، إذ تستطيع إسرائيل لاحقاً القول: “نحن لا نحتل أرضاً جديدة، نحن نعمل ضد تهديدات عسكرية حيثما ظهرت”.
وبرأيه، تؤدي هذه المقاربة إلى تحويل الحدود من “خط ثابت إلى مساحة أمنية متحركة”.
واستناداً إلى كلاوزفيتز وليدل هارت وصن تزو، وصف حلال ما يجري بأنه انتقال من “الدفاع عن الحدود إلى إدارة العمق”، أي محاولة جعل المسافة بين الخط الحدودي ومصدر التهديد أكبر، من دون تحمل كلفة احتلال ذلك العمق برياً.
وعليه، يرى أن السؤال الأهم لم يعد فقط: “لماذا قصفت إسرائيل أنصار ودير الزهراني؟”، بل: “هل تحاول إسرائيل نقل الخط الأحمر من مكان جغرافي محدد إلى مفهوم أمني متحرك تحدده هي وفقاً لقدرتها على الاستهداف؟”.
وختم بالقول إنه إذا ثبت ذلك عبر تكرار الضربات باتجاه أنصار–دير الزهراني–حبوش–النبطية الفوقا–زوطر–علي الطاهر، فإن المسألة لن تعود مجرد تصعيد عسكري، بل ستتحول إلى إعادة هندسة للمجال الأمني في جنوب لبنان، وهي، في تقديره، قد تكون المسألة الاستراتيجية الأخطر في المرحلة المقبلة.