
-محمد علوش
تشابكت اليوم حسابات السياسة الداخلية اللبنانية مع التغيرات في المنطقة وما تشهده من تطورات عسكرية ومباحثات. عاد الجدل الداخلي حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وانتقل من أحاديث هامسة إلى خطاب علني تتبناه بعض الجهات الرسمية.
لكن الرواية السائدة حاليًا، والتي تزعم أن “أغلبية لبنانية” ترغب في التفاوض المباشر والسلام، تبدو أقرب إلى التمني منها إلى الواقع عند اختبارها على أرض الواقع السياسي.
ترى مصادر قيادية في الثنائي الشيعي أن التشكيلة الحالية للمجلس النيابي لا تعكس هذا الزعم الذي تحاول بعض القوى ترويجه. فالمواقف الأخيرة الصادرة عن قوى رئيسية، على اختلافها، تشير إلى وجود كتلة مهمة تتحفظ على التوجه نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل، خاصة بالصيغة الحالية.
وتشير المصادر إلى تحرك رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يقود مسارًا سياسيًا هادئًا بهدف إعادة ترسيخ قواعد الاشتباك التفاوضي في إطار “غير المباشر”، ومنع انزلاق البلاد إلى مسار لا يحظى بدعم وطني كافٍ وفي ظل جدول أعمال تفاوضي غير جيد.
وتؤكد هذه المصادر أن عين التينة أصبحت في الأسابيع الأخيرة مركزًا لسلسلة لقاءات تهدف إلى بناء حد أدنى من التوافق السياسي حول خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. وفي هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، والتي حملت أكثر من دلالة. فالتصريح الذي أدلى به بعد اللقاء، حين حدد سقف الممكن باتفاق هدنة مطوّر يتلاءم مع الوقائع الراهنة، كان مؤشرًا على توجه قطاع كبير من القوى السياسية نحو مقاربة حذرة ترفض القفز إلى عناوين “السلام” بمعناه المباشر.
بالمقابل، يبرز موقف التيار الوطني الحر كعنصر إضافي في هذا التوازن. فالتيار، وإن لم يرفض فكرة التفاوض بشكل قاطع، إلا أنه يربط أي مسار بشروط سياسية وسيادية معقدة، مما يضعه عمليًا في خانة المعترض على الاندفاعة الحالية للسلطة. هذه الرؤية، بحسب المصادر، تساهم في تقوية موقف معارضة التفاوض المباشر داخل المجلس، أو على الأقل في منع تشكيل أغلبية قوية تؤيده، عكس ما يتم الترويج له.
ولا يقتصر الأمر على هاتين القوتين، فهناك المواقف الوطنية لرئيس تيار المردة سليمان فرنجية، الذي حافظ على ثبات مواقفه رغم كل التغيرات، بالإضافة إلى زيارة النائب حسن مراد إلى عين التينة، وما صاحبها من إشارات، والتي تعكس، وفق المصادر نفسها، وجود مزاج سني نيابي غير متحمس للمضي قدمًا في هذا المسار، خاصة بعد تدخل المملكة العربية السعودية بشكل واضح ومحاولتها تهدئة حماس البعض لتجاوز الضامن العربي لأي مسار تفاوضي.
تكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل الحديث عن “تغطية عابرة للطوائف” لأي خيار استراتيجي من هذا النوع، إذ أن غياب مثل هذه التغطية يضعف شرعية الطرح من أساسه.
بهذا المعنى، تبدو الحركة السياسية التي تدور حول عين التينة أقرب إلى عملية “تجميع قوى” معارضة، تسعى إلى إعادة تحديد حدود الممكن في السياسة اللبنانية. وبحسب المصادر، لا يتعلق الأمر فقط برفض مبدأ التفاوض المباشر، بل أيضًا بإعادة التأكيد على معادلة قديمة جديدة، وهي أن أي تحول استراتيجي في موقع لبنان لا يمكن أن يتم بقرار أحادي، ولا عبر قراءة انتقائية لموازين القوى الداخلية.
تعكس هذه الديناميكية، بحسب المصادر، صراعًا بين رؤيتين للبنان، الأولى ترى في اللحظة الإقليمية فرصة لإعادة التموضع والانضمام إلى مسارات التطبيع التي تشهدها المنطقة، والثانية تعتبر أن أي خطوة من هذا النوع، في ظل اختلال موازين القوى ومع استمرار الاحتلال والتهديد، تشكل مغامرة سياسية قد تفتح الباب أمام تنازلات لا يمكن السيطرة عليها وقد تؤدي إلى ضرب الصيغة اللبنانية بالكامل.
المفارقة أن هذا الصراع لا يُحسم، بحسب رغبة البعض، من خلال تزييف الأرقام المؤيدة والمعارضة داخل البرلمان، بل بتقاطع المصالح والهواجس بين القوى المختلفة. وهنا تحديدًا تكمن أهمية الحراك الذي تقوده عين التينة، إذ يسعى، بحسب المصادر، إلى تحويل هذا التقاطع الظرفي إلى موقف سياسي أكثر تماسكًا، قادر على فرض نفسه كبديل فعلي للمسار الذي تدفع به السلطة تجاه اسرائيل.
إذًا، يتضح أن الحديث عن “أكثرية لبنانية مؤيدة للتفاوض المباشر” هو مجرد وهم، لا تدعمه استطلاعات الرأي ولا المواقف السياسية. وبالتالي، على المعنيين الأخذ بنصيحة وفد الحزب الاشتراكي الذي زار بعبدا والبدء بحوار وطني شامل يرسم مسار المرحلة المقبلة بدل الاختباء خلف ادعاءات كاذبة.