نواف سلام في مواجهة منفردة وغياب وزرائه عن الساحة

– محمد المدني

لم تعد المشكلة مقتصرة على أداء الحكومة الحالي، بل تتجاوز ذلك لتشمل قصورًا جوهريًا في فهم بعض الوزراء السنة لدورهم داخل هذه الحكومة. يبدو أنهم ينظرون إلى الوزارة كمجرد منصب إداري، يقتصر عملهم فيه على تسيير أمور الناس بشكل محدود.

فوزارة الاقتصاد تدير الأرقام دون أن يكون لذلك أي تأثير ملموس على أرض الواقع. ووزارة التربية تقتصر على تنظيم عمل المدارس. أما وزارة الشؤون الاجتماعية فتعالج ملفات اجتماعية، لكن ذلك لا ينعكس إيجابًا على حياة الناس، خاصة الفقراء. وحتى وزارة الداخلية، فإن أداء وزيرها لا يزال محصورًا في الإطار الأمني الضيق.

إن هذا التصور الذي يتبناه جميع الوزراء السنة في حكومة الرئيس نواف سلام، يُجرّد المنصب الوزاري من أهميته السياسية، ويحوله إلى مجرد إدارة تقنية لا تملك القدرة على التأثير في صناعة القرارات.

في النظام اللبناني، حيث التوازنات الطائفية ليست أمرًا ثانويًا بل هي الأساس الذي يقوم عليه توزيع السلطة، لا يمكن اختزال الدور الوزاري بهذه الطريقة. فالوزير ليس مجرد موظف، بل هو ممثل سياسي وشريك حقيقي في اتخاذ القرارات. وعندما يغيب هذا الإدراك، يختل التوازن، وتفقد الطائفة التي يمثلها حضورها الفعلي داخل السلطة التنفيذية.

وقد انعكس هذا الخلل بشكل مباشر على موقع رئيس الحكومة، نواف سلام. فضعفه الحالي لا يعود فقط إلى الضغوط الخارجية، بل أيضًا إلى غياب الدعم السياسي السني داخل حكومته. فعندما يتحول الوزراء إلى مجرد إداريين، يصبح رئيس الحكومة مكشوفًا، بلا عمق سياسي، وبلا فريق قادر على المواجهة أو حتى الدفاع عن مواقفه.

لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد. فالرئيس سلام يتعامل مع منصبه من زاوية “وطنية عامة” تتجاوز الانتماءات الطائفية، وهذا طرح صحيح من حيث المبدأ، لكنه غير كافٍ في الواقع اللبناني. فرئاسة الحكومة، بحكم التوازنات القائمة، تحتاج إلى إدارة واعية للعلاقة مع البيئة السنية السياسية والنيابية، وليس تركها في حالة من الفراغ أو الفتور السياسي.

ويتجلى الخلل بوضوح في العلاقة مع النواب السنة. هناك غياب للتواصل الفعال، وضعف في المبادرات، وبرود في بناء شبكة دعم سياسية. والدليل على ذلك هو الحضور المتواضع لهؤلاء النواب في المحطات الهامة، مما يعكس انقطاعًا سياسيًا لا يمكن الاستهانة بخطورته.

النتيجة اليوم واضحة ومقلقة: رئيس حكومة يفتقر إلى الغطاء السياسي الكافي، ووزراء لا يقومون بدور سياسي فعال، وبيئة سنية تشعر بأنها مهمشة وخارج معادلة صنع القرار. هذا ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو خلل بنيوي يهدد موقع رئاسة الحكومة ويخل بالتوازن الوطني.

لم يعد المطلوب مجرد ترف سياسي، بل أصبح ضرورة ملحة: يجب إعادة تعريف دور الوزير كفاعل سياسي وليس كمدير إداري. ويجب إعادة بناء العلاقة بين رئاسة الحكومة والنواب السنة على أسس سياسية واضحة تعيد التوازن وتمنع الفراغ. لأن الاستمرار في هذا النهج لا يضعف الحكومة فحسب، بل يضعف أيضًا موقع الطائفة السنية في النظام السياسي، ويفتح الباب أمام اختلال أوسع في توازنات لبنان.