من الساحل وصولاً إلى أقصى الجنوب: خريطة المواجهات تكشف ورطة الجيش الإسرائيلي

يشهد جنوب لبنان تصعيدًا متزايدًا على الأرض، حيث كثفت إسرائيل عملياتها البرية والجوية من الساحل إلى القرى الحدودية الداخلية سعيًا لتحقيق مكاسب ميدانية، وسط اشتباكات ضارية في مناطق مثل الخيام ودير سريان ومحيط البياضة. يعكس هذا المشهد تصاعد حدة المواجهة دون تحقيق نصر حاسم حتى الآن.

تبرز المنطقة الغربية كساحة رئيسية للاشتباكات، حيث حاول الجيش الإسرائيلي التقدم على طول الساحل مستفيدًا من الدعم البحري، لكنه واجه مقاومة شديدة، خاصةً مع تعرض جناحه الأيمن لضغوط متزايدة، وعجزه عن ترسيخ أي تقدم حقيقي، على الرغم من محاولاته للسيطرة على مواقع استراتيجية مثل اللبونة والبياضة.

لم يكتمل التقدم نحو البياضة باتجاه شمع، وشهدت المعارك تغيرًا في التكتيكات بين تقدم محدود وتراجع، في ظل اشتباكات مستمرة تظهر صعوبة تحويل التفوق الناري إلى سيطرة ميدانية ثابتة، على الرغم من الحشد العسكري الكبير الذي يضم أكثر من فرقتين وحوالي خمسة ألوية، بما في ذلك وحدات النخبة، على ثلاثة محاور رئيسية.

في هذا الإطار، يؤكد الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد هشام جابر، في حديث إلى ، أن ما يحدث في الجنوب “يختلف فعليًا عن كل ما تقوله الكتب العسكرية”، مشيرًا إلى أن التوغل الإسرائيلي، على الرغم من هذا الحشد، لم يحقق خلال شهر تقريبًا سوى اختراقات محدودة لا تتجاوز بضعة كيلومترات.

ويضيف أن “القطاع الغربي شكّل نموذجًا واضحًا لهذا التعثّر”، موضحًا أن التقدم الذي تحقق في بعض المراحل كان ضمن تكتيك سمح به الخصم قبل أن يتم إغلاقه ميدانيًا، مما يعكس نمطًا قتاليًا يعتمد على الاستدراج والاستنزاف.

ويوضح جابر أن تكتيكات “حرب العصابات” المتبعة تقوم على عدم إيقاف التقدم عند نقطة معينة، بل السماح للقوات المتقدمة بالدخول، ثم استهدافها عبر الكمائن والضربات السريعة، سواء أثناء تحركها أو خلال تمركزها، مما يزيد من تكلفة العمليات ويقلل من فعاليتها.

ويشير إلى أن ما “يواجهه الجيش الإسرائيلي اليوم يتناقض مع التقديرات السابقة التي روّجت لتدمير قدرات حزب الله”، معتبرًا أن “الأداء الميداني يعكس مستوى عاليًا من القيادة والتنظيم، وقدرة على إدارة المعركة وفق تكتيكات مرنة وفعالة”.

ويشدد على “ضرورة التمييز بين ما يجري على الأرض في الجنوب، وبين القدرات الصاروخية التي لا تقتصر على هذه الجبهة”، لافتًا إلى أن “جزءًا كبيرًا من هذه القدرات لا يزال خارج نطاق الاشتباك المباشر”.

وحول إمكانية وصول الجيش الإسرائيلي إلى نهر الليطاني، يرى جابر أن ذلك ممكن من الناحية العسكرية، نظرًا لما يمتلكه من قوة بشرية ومعدات، لكنه يطرح السؤال الأهم: هل يستطيع البقاء؟

ويختتم بالتأكيد على أن التحدي الأساسي لا يكمن في التقدم، بل في تثبيته داخل بيئة ميدانية معادية، معتبرًا أن ما يحدث اليوم يعكس مرحلة استنزاف واضحة، أدت إلى إخراج عدد كبير من الآليات العسكرية من الخدمة، في مشهد يصفه بأنه “غير مسبوق في التاريخ العسكري”.