
“RED TV”
يدخل قانون العفو العام مرحلة شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب طبيعة الجرائم التي سيشملها أو يستثنيها، بل بسبب علامات الاستفهام التي تحيط بالصيغة النهائية للنص بعد إقراره في مجلس النواب، وسط حديث عن نسخ مختلفة وتعديلات قد تطال مواد ذات صلة مباشرة بالملفات المالية والمصرفية وبقضايا لا تزال أمام القضاء.
وحذّر الباحث والاستشاري القانوني محمد مغبط من الإشكاليات القانونية التي قد تنتج عن أي تعديل أو تنقيح يطرأ على قانون العفو العام بعد إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب، معتبرًا أن المسار المتداول يطرح علامات استفهام جدية حول الشفافية وآلية التشريع، خصوصًا في ظل الحديث عن أكثر من نسخة للنص النهائي.
وفي مقابلة ضمن برنامج “3:15 إقتصاد” عبر شاشة “RED TV”، قال مغبط إن مجلس النواب “يعمل اليوم بطريقة تخالف كل معايير الشفافية وتمنع المساءلة”، مشددًا على أنه “لا يوجد مجلس في العالم ينقّح مسودة قانون بعد إقراره”.
وأوضح أن اقتراح قانون العفو دخل إلى الهيئة العامة وكانت كل الكتل ممثلة فيها، إلا أن نقاشات أخرى جرت لاحقًا وأدت، بحسب ما يتم تداوله، إلى تغييرات في القانون.
وأشار إلى أنه لا يحب البناء على التسريبات، لافتًا إلى أن ما تم تداوله يتحدث عن وجود نسخة أخرى من قانون العفو العام، ومؤكدًا أنه يفضل انتظار النص النهائي قبل حسم الموقف.
ولفت مغبط إلى أن النواب يصوتون على بنود القانون، ثم يدخل النص في مهلة 10 أيام للتنقيح، إلا أنه اعتبر أن التنقيح بعد الإقرار لا يجب أن يحصل، لأن “حتى الفاصلة قد تؤثر على معنى الجملة والمادة القانونية”.
وتوقف عند إحدى النسخ المسرّبة التي قيل إنها أُرسلت إلى رئاسة الجمهورية لقانون العفو العام، مشيرًا إلى أنها تتضمن مخالفات قانون النقد والتسليف من العفو، ومحذرًا من أنه إذا صحت هذه المعلومات فإنها ستخلق إشكالية كبيرة.
ورأى أن هذا الأمر قد يؤدي إلى إضعاف قدرة الدولة ككل على معالجة الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية، كما قد يعرقل الوصول إلى المسؤولين عن الانهيار ويؤثر على الدعاوى التي تقدم بها مصرف لبنان بهدف محاسبة الفاعلين.
وفي ما يتعلق بقضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، قال مغبط إن المطلوب هو معرفة النهاية القضائية للقضية، موضحًا أن استفادته من قانون العفو تتوقف على المواد التي يُدّعى عليه بموجبها.
وتطرق مغبط إلى وجود لبنان على اللائحة الرمادية، عازيًا ذلك إلى ضعف أنظمة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الجماعات المسلحة، لكنه شدد في المقابل على أنه لا يعوّل كثيرًا على صندوق النقد الدولي في مقاربة هذه المسائل.
وقال إن صندوق النقد ينظر إلى الموضوع من الناحية الاقتصادية، وليس من الجانب المجتمعي أو من زاوية الانتظام القانوني في البلد، مضيفًا: “لا أعوّل على صندوق النقد في هذه الأمور لأن مقاربته مختلفة”.
كما اتهم مغبط جمعية المصارف بمحاولة ابتزاز الدولة من خلال السعي إلى فرض الطريقة التي تراها مناسبة لمعالجة الأزمة في المستقبل.
ويأتي هذا السجال في وقت تتقاطع فيه قضية العفو العام مع واحد من أكثر الملفات حساسية في لبنان، أي مسار المحاسبة عن الأزمة المالية والمصرفية، وما يرتبط به من دعاوى وتحقيقات ومخالفات محتملة لقانون النقد والتسليف. ومن هنا، لا يعود النقاش محصورًا بتوسيع نطاق العفو أو تضييقه، بل يمتد إلى تأثير أي صياغة نهائية على قدرة القضاء والدولة على استكمال ملاحقة المسؤوليات وتحديدها، وهو ما يجعل نشر النص النهائي وحسم مضمونه خطوة أساسية لإنهاء الجدل القائم حوله.