
ليبانون ديبايت ـ المحرر السياسي
حتى ولو انعقدت جلسة الحوار الثامنة في روما، فإنه من الثابت اليوم أن الساحة اللبنانية، ولا سيما جبهة الجنوب، دخلت بقوة في البازار السياسي والإنتخابي الإسرائيلي، مع بقاء نحو ستين يوماً على موعد الإنتخابات في إسرائيل.
ولا يشك الكاتب والمحلل السياسي علي حماده في أن تكون التطورات على الجبهة الشمالية لإسرائيل، أحد العوامل المؤثرة في ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك، وإن لم تكن العامل الحاسم الوحيد، خصوصاً في ظل تقارب الأرقام بين بنيامين نتنياهو والمعسكر المنافس له، الذي يبرز فيه غابي آيزنكوت.
عملياً، يؤكد حماده لـ”ليبانون ديبايت”، أن جنوب لبنان وملف أمن إسرائيل انطلاقاً من الجنوب تحوّلا إلى ورقة إنتخابية تشبه “السيف ذا الحدّين”، فإذا بقيت الجبهة هادئة وتحت سيطرة إسرائيلية واضحة، فإن ذلك قد يصبّ في مصلحة نتنياهو ويعزز صورته كقائد قادر على فرض الأمن وتنفيذ وعوده.
لكن المسألة الأكثر خطورة من تصعيد إسرائيلي محتمل، وهو متواصل حالياً، والأكثر حساسية على مستوى الداخل اللبناني والجنوب، يطرحها حماده من خلال التساؤل عن احتمال أن يبادر “حزب الله” إلى تحريك جبهة الجنوب وتفجير الوضع الميداني خلال الأيام أو الأسبوعين اللذين يسبقان الإنتخابات في إسرائيل، وما إذا كان هذا الأمر سيعزز موقع نتنياهو ويمهّد له طريق الفوز، أم سيكون عاملاً يُضعف موقعه؟
فثمّة خشية لدى نتنياهو من سيناريو حرب قد لا يكون راغباً فيه، يضيف حماده، الذي يجد أنه من الممكن أن يفجّر الحزب الجبهة في توقيتٍ بالغ الحساسية، بحيث يستيقظ الإسرائيليون، قبل أيام معدودة من الإنتخابات وصولاً إلى يوم الإقتراع، على وقع الصواريخ التي تستهدف، في الحد الأدنى، شمال إسرائيل.
وفي هذه الحالة، لا يُخفي حماده أن الكلفة قد تكون كبيرة على لبنان، لكن السؤال يبقى: كيف سينعكس التصعيد على الناخب الإسرائيلي وعلى صورة حكومة نتنياهو وقدرتها على حماية أمنه؟
حتى الآن، يكشف حماده أنه لا توجد إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة، ولا يدّعي المراقبون امتلاكها، غير أن المشهد مفتوح على احتمالات عدة، وكل تطور ميداني قد يعيد خلط الأوراق السياسية والإنتخابية.
أما على الأرض، فالمعركة بدأت في “علي الطاهر”، الذي يمثّل مرتفعاً استراتيجياً مهماً، وفق حماده، الذي يرى أنه من الناحية العسكرية يبدو في موقع مكشوف أمام القدرة الإسرائيلية على اجتياحه، ومعركة الحسم حوله تبدو وكأنها بدأت، لكن ليس وفق الشكل التقليدي لعملية عسكرية واسعة ومباشرة، فالتكتيك الإسرائيلي الظاهر حتى الآن يقوم على القضم التدريجي للمنطقة، أي إسقاطها خطوة بعد خطوة، بدلاً من تنفيذ هجوم كبير وحاسم دفعة واحدة.
وقد يكون هذا الأسلوب مرتبطاً بالتعقيدات الدبلوماسية والسياسية، ولا سيما في العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ يلاحظ حماده أن إسرائيل تفضّل، في المرحلة الراهنة، تحقيق أهدافها الميدانية تدريجياً ومن دون فتح الباب أمام تداعيات عملية عسكرية واسعة.
أما على صعيد المسار التفاوضي، فيؤكد حماده أنه ما زال قائماً ولم يسقط، وإن لم يُحدَّد موعد الجولة المقبلة بعد، لكن الإيطاليين حدّدوا الشهر المقبل موعداً للجولة الثامنة في روما.
وبالتالي، من المبكر القول إن المسار التفاوضي قد طار أو انهار، فحماده يشدد على أنه لا يزال في بداياته، وما زالت أمامه مراحل واختبارات كثيرة قبل اتضاح مصيره.
في المقابل، وعن موقف الوزير السابق وليد جنبلاط من التفاوض واتفاق «الإطار»، يعتبر حماده أنه على حاله تقريباً، إذ يكرر دعوته إلى العودة إلى اتفاق الهدنة، ويعارض اتفاق «الإطار»، مفضلاً هدنة عام 1949، وربما العودة إلى القرار 1701 بمعناه الضيق والحرفي.
لكنه، في الوقت نفسه، كما يقول حماده، لا يخوض حملة ضد مبدأ التفاوض مع إسرائيل، بل يكتفي بإبداء اعتراضاته وملاحظاته وانتقاداته، من دون رفع سقف المواجهة السياسية إلى مستوى حملة واسعة.