مضيق هرمز اللبناني… قصة "تسليم" علي الطاهر والتصعيد الإسرائيلي

“ليبانون ديبايت”-عبدالله قمح

ببساطة، اتفاق الإطار مسجّل باسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب. يعتبره اتفاقه، أو إنجازه، تماماً كما ينظر إلى اتفاق غزة. ولبنان، عندما يقول إن الاتفاق هو المسار الأفضل مقارنة بالحرب، يُفهم سريعاً أن رهانه معقود على ترامب. وفي السياق نفسه، يُفهم بالضبط لماذا يعجز لبنان ويخشى الخروج من الإطار، فيما لو أراد.

على المنوال نفسه، لا قدرة للبنان، بعدما «طُمست سلطته» في الوحل، على مغادرة المفاوضات أو تعليقها، وفقاً لما يتم تداوله، إنما الاكتفاء بالتلويح بالمغادرة، في محاولة للفت الانتباه أو تحصيل مكاسب لا أكثر. حتى إن منطق التأجيل المحتمل للجلسة ساقط أيضاً، ببساطة لأن التقرير بشأنه ليس موضع قرار لبناني سيادي مستقل، كما يحلو للبعض الزعم.

ذلك يقودنا، وبخلاف كل الانطباعات السائدة، إلى أن جولة التفاوض الثامنة المحتملة في روما حاصلة. وتحديد الموعد مرهون بعدة عوامل، كلها أميركية. ففي حال قالت واشنطن إن موعد الجلسة سيكون في بداية أيلول، فإن الجلسة ستحصل في بداية أيلول، ولا جدل في ذلك. في الأثناء، لا مانع من بعض الإثارة على الطريقة اللبنانية.

لا شك أن أحد العناوين البارزة التي يُنتظر أن تحسم تحديد موعد الجلسة، مرتبط بانتظار نتائج جولة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCGL4L، الجنرال جوزف كليرفيلد، والعنوان الآخر انتظار ما سيسفر عنه انتهاء مهلة الـ60 يوماً الواردة في مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية.

صحيح أن إسرائيل ترفض الاعتراف بأي علاقة للبنان بمذكرة التفاهم، لكنها ميدانياً توحي، من خلال تصرفاتها وتصعيدها الأخير، لا سيما في علي الطاهر وأنصار ودير الزهراني، بأنها تربط لبنان، عسكرياً على الأقل، بالمهلة، وتعتقد أنه قد ينجم عن انتهائها تصعيد محتمل.

ثمة أسباب أخرى أيضاً تدخل بقوة على خط دعم التصعيد الحاصل. فهو يأتي بعد تصريحات لقادة من حزب الله حول العودة إلى القتال بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً، على اعتبار أنها آخر مهلة للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. قد يعتقد البعض أن طهران وحليفها، الحزب، ساذجان إلى درجة تصديق أن إسرائيل كانت ستلتزم وتنسحب، والحقيقة أنهما مقتنعان تماماً بأن إسرائيل لن تنسحب وتفكر بإقامة طويلة، وهي تعمل على تجديد الحرب، تماماً كما يفعلان بالضبط.

عند النقطة نفسها، جاء التصعيد الإسرائيلي في أنصار ودير الزهراني، بعد ساعات قليلة على كلام الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، وما حمله من تهديدات علنية ومبطنة، والأهم التزام فعل المقاومة وتأكيد عدم الرغبة في إلقاء السلاح. ما يعني إسرائيلياً أن المقاومة سوف تستمر، وأن المهلة الأميركية الممنوحة لإمكانية الحل السياسي المزعوم تكاد تنفد.

أكثر من ذلك، تعتقد إسرائيل أن قاسم يتخفى في إحدى منشآت الحزب الحصينة، وربما إحدى المنشآت التي تستهدفها في تهديداتها ومساعيها. وما قد يكون أزعجها في ظهوره سببان: الأول، أنه خرج للتصريح في ذكرى يحتفل بها الحزب بشكل دوري كل عام، ما يُظهر أريحية في تجاوز كل المخاطر الإسرائيلية. والثاني، أن قاسم يخرج للتصريح مجرداً من أي شعور بالخطر، وهذا من شأنه أن يُجهز على كثير من سردية ضعف الحزب.

السبب الثالث للتصعيد الإسرائيلي يرتبط بالسلطة اللبنانية التي لوّحت بأنها تريد، أو ترغب، في تعليق المفاوضات رداً على التعنت الإسرائيلي ورفض توسيع المناطق التجريبية واستمرار الاعتداءات. وهنا تظهر إسرائيل متخلية عن كثير من التحفظ. فهي تقول بصراحة إن التفاوض مع لبنان يقع في آخر خانة اهتماماتها، وإنها ليست مجبرة عليه لولا التدخل الأميركي، بل إنها تبعث بإشارات واضحة حول رغبتها في الخروج منه في أقرب فرصة.

وفي البعد التقني، تحاكي تل أبيب سردية الحكم اللبناني، وتبعث برسالة مفادها أن الخروج عن مسار التفاوض ستكون عواقبه وخيمة، لا سيما أن إسرائيل تبعث، منذ أسابيع، برسائل واضحة حول قائد الجيش العماد رودولف هيكل وعلاقته المزعومة بالحزب، واعتماده الأمن بالتراضي، وعجز المؤسسة العسكرية عن الإمساك بالأرض.

مضيق هيرمز اللبناني

في كل هذه الأبعاد يحضر علي الطاهر. فعلياً، تمثل كتلة المرتفعات تلك، بالنسبة إلى حزب الله، «مضيق هرمز اللبناني»، إذ تحمل كل ظروف الاشتباك مع الإسرائيلي. وفي منظور الحزب، فإن المعركة في علي الطاهر حاصلة، بانتظار التوقيت، ولن يقبل التخلي عنها، وللمعركة العسكرية أن تحسم النتيجة، وقد قدّم إشارات في هذا الاتجاه.

وفي كل ما قيل أو حُكي عن مفاوضات جارية حول تسليم علي الطاهر، لم يظهر أو يصل منها شيء إلى الحزب، أقله رسمياً، إنما كانت مجرد نقاشات جرت في الإعلام. حتى كلام الرئيس جوزاف عون حول احتمال أن يتسلم الجيش التلة وما تحتها من الحزب بقي مجرد أفكار جرى تداولها معه، أو عبر الإعلام، من جانب شخصيات أمنية أو سياسية، على أساس أنها أفكار سوف تُطرح على الحزب، فيما الحقيقة أنه ليس للحزب شأن بها حتى الآن.

أما بالنسبة إلى الجيش، فهو أساساً ليس في وارد أي أفكار تتعلق بالدخول إلى علي الطاهر أو العمل على إخلائه من المقاومين، ببساطة لأن الجيش ليس في وارد التحول إلى خط تماس بين الاحتلال والحزب، أو أن يوفر خدمات لوجستية لمصلحة الإسرائيليين. وربما يكون ذلك مبعث الانتقادات الأميركية – الإسرائيلية التي تصوّب على قائده.

أيضاً، وفي الحديث نفسه حول علي الطاهر بوصفه «مضيق هرمز اللبناني»، يحضر كلام رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي قال في أحدث تصريحاته إنه على تواصل مع المقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان. ليس بالضرورة أن يحصل التواصل هاتفياً، بل تكفي الإشارة فقط حتى يُفهم أن المقصود هو لفت النظر إلى أن طهران باتت تعتبر علي الطاهر خط دفاع أمامياً وجزءاً لا يتجزأ من الأمن الحيوي الإيراني بالنسبة إلى المقاومة.

وهنا تحضر معلومات حول أن طهران أرسلت، مع الوسيط الباكستاني، تحذيرات من مغبة تجاوز الخطوط الحمراء في علي الطاهر، ما يعني دخولاً إيرانياً على خط الجبهة. ومن هذه النقطة قد يُفهم تشدد الحزب، وكذلك التصعيد الحاصل من هذه الزاوية، قبل أيام من انتهاء مهلة الـ60 يوماً.