"هناك انتخابات"... واشنطن تمنح نتنياهو هامشاً في غزة

عاد الجيش الإسرائيلي إلى تنفيذ هجمات في قطاع غزة لليوم الثاني على التوالي، بعد فترة من وقف الاغتيالات بتوجيه من المستوى السياسي، بالتوازي مع إعلان “مجلس السلام” بدء تشغيل آلية لمراقبة خروقات الاتفاق. وفي واشنطن، تقرّ الإدارة الأميركية بأن اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام حسابات معقدة، ولذلك تمنحه “هامشاً معيناً” في التعامل مع الخطة الأميركية، مقابل استمرار وقف الاغتيالات المستهدفة.

وبحسب تقرير للصحافيين غال غانوت وإيتمار آيخنر في موقع “واي نت” الإسرائيلي، نفّذ الجيش الإسرائيلي مساء الاثنين هجوماً في قطاع غزة لليوم الثاني توالياً، بعد الهجوم الذي وقع في اليوم السابق وكان الأول منذ أن أوقف الجيش إطلاق النار بتوجيه من المستوى السياسي وعلّق عمليات الاغتيال المستهدفة.

وخلافاً للهجوم السابق، الذي تمثل بإطلاق قوات إسرائيلية النار على قناص من حماس جرى رصده قرب “الخط الأصفر”، نفّذ سلاح الجو هذه المرة هجوماً قال إنه استهدف “إزالة تهديد” في شمال قطاع غزة.

وأفادت تقارير من غزة بأن الضربة كانت أول غارة جوية منذ أكثر من أسبوع، مشيرة إلى سقوط قتيل.

وفي موازاة ذلك، تناول المدير العام لـ”مجلس السلام” في غزة نيكولاي ملادينوف بعد ظهر اليوم تطورات الوضع في القطاع، على خلفية “خريطة الطريق” الخاصة بتطبيق الاتفاق مع حماس.

وبعد هجوم اليوم السابق، أعلن ملادينوف أنه “في الأيام الأخيرة بدأ تشغيل آلية لمراقبة الخروقات، وكل خرق يتم التحقق منه سيُعالج”.

كما نفى تقارير تحدثت عن وجود “اتفاق مالي” بين مجلس السلام وحماس.

وقال ملادينوف، الذي يُعرّف منصبه الرسمي بأنه “الممثل الأعلى لغزة”: “الادعاءات بشأن اتفاق مالي بين مجلس السلام وحماس كاذبة. مثل هذا الاقتراح لم يُناقش، ولم تجرِ مفاوضات بشأنه، ولم يُبحث، ولن يكون مطروحاً أيضاً في المستقبل”.

وأشار إلى أن مجلس السلام أُنشئ في إطار خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803.

وأضاف: “الوثيقتان علنيتان وواضحتان: لن يكون لحماس أي دور في حكم غزة، ولن يكون لها أي وصول إلى الأموال”.

وشدد ملادينوف على أن “أموال مجلس السلام لا تمر عبر حماس. كل عقد يخضع للفحوص والموافقات، وكل عمل يتم التحقق منه قبل الدفع، وكل الحسابات مفتوحة لتدقيق كامل من الحكومات المانحة”.

وأضاف أن “قوة الاستقرار الدولية مصممة لدعم نزع السلاح وإقامة إدارة مدنية لا يكون لحماس أي دور فيها. هذا كان موقفنا منذ البداية ولم يتغير”.

وفي المقابل، أوضح مسؤولون أميركيون لموقع “بوليتيكو” أن الإدارة “شعرت بخيبة أمل” من رفض نتنياهو خطة النقاط الـ15، التي تشكل خريطة الطريق، لكنها عدّلت موقفها بعدما تبين لها أن إسرائيل أوقفت الهجمات على الأرض وتعمل فعلياً وفق الخطة، في وقت تلقّت فيه القوات تعليمات بضرورة الحصول على موافقة رئيس الأركان قبل تنفيذ أي هجوم.

وقال مسؤول أميركي إن الإدارة مستعدة لمنح نتنياهو “هامشاً معيناً” كي يصوغ الخطة بالشكل الذي يحتاج إليه.

وأضاف: “نحن ندرك التعقيدات الناجمة عن الانتخابات في إسرائيل، وبالطبع سنمنح بيبي هامشاً لمحاولة إدارة هذا الوضع”.

لكنه أوضح أن واشنطن تتوقع مقابلاً من نتنياهو، قائلاً: “عليهم أن يمنحونا بعض المساحة لناحية وقف الاغتيالات المستهدفة، كي نتمكن من محاولة الوصول إلى المرحلة التالية، ولذلك لا تزال هناك تحديات كثيرة جداً في الطريق”.

وتدرك واشنطن، بحسب التقرير، أن نتنياهو يواجه وضعاً معقداً مع اقتراب الانتخابات، إذ يتعرض من جهة لضغوط من شركائه المتشددين، ومن جهة أخرى لضغوط من الإدارة الأميركية، بالتزامن مع استطلاعات رأي غير مشجعة له.

وكانت الولايات المتحدة، عبر مجلس السلام والوسطاء تركيا وقطر ومصر، قد أدارت مفاوضات مع حماس بشأن الخطة التي يفترض، على الورق، أن تقود إلى نزع سلاح الحركة.

وبحسب الخطة، يتعين على حماس التخلي عن سلاحها وتسليم السلطة في غزة إلى لجنة لإدارة القطاع يُطلق عليها اسم “حكومة التكنوقراط”، فيما يتعين على إسرائيل سحب الجيش الإسرائيلي.

لكن العقبة الأولى ظهرت فور الإعلان عن الخطة، إذ قالت حماس إنها لن تتخلى عن سلاحها قبل انسحاب إسرائيل، بينما قالت إسرائيل إنها لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس.

ورغم الثقة العلنية التي أظهرها ترامب عندما أعلن “اتفاقاً تاريخياً لنزع سلاح حماس بالكامل”، كان مسؤولون في الإدارة يتوقعون أن تواجه الخطة اعتراضاً من إسرائيل، لكنهم اعتقدوا أن المحادثات يمكن أن تستمر عملياً.

وكرر المسؤول الأميركي القول إن “أحداً لم يصل في السابق إلى مرحلة جعل حماس توافق على ذلك، ولذلك فإن هذه خطوة ضرورية قبل نزع سلاحها فعلياً”.

وقال مسؤول آخر في الإدارة إن مجلس السلام، الذي يضم 27 دولة، “يحظى في الفترة الأخيرة بتعاون جيد على الأرض”، مضيفاً: “هذا هو المهم”.

وبعد يوم واحد على رفض نتنياهو خريطة الطريق، اعتبر مسؤولون كبار في مجلس السلام أن الأمر لا يتعدى التصريحات.

وقالوا: “نحن ننظر إلى الأفعال الفعلية، وأقل إلى الكلام والإعلانات. عملياً، أوقفت إسرائيل الاغتيالات وتحافظ على وقف إطلاق النار”.

وأضافوا: “في الواقع، إسرائيل تنفذ اتفاق النقاط الـ15. الجيش الإسرائيلي يقف عملياً عند الخط الأصفر الأصلي الذي يشمل 53% من القطاع، ولا توجد مواقع أو قوات وراء الخط الأصفر. إسرائيل تطبق الوثيقة، رغم أنها ترفضها في تصريحاتها”.

وقال السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل في عهد إدارة باراك أوباما، دان شابيرو: “بالنسبة إلى نتنياهو، الهدف الرئيسي بالطبع هو تجاوز الانتخابات”.

وأضاف: “لذلك سيعلن على الأقل رفضه، حتى في الوقت الذي قد يسمح فيه لبعض جوانب الخطة بالتقدم”.

وتابع: “يبدو أن ترامب يتسامح مع رقصة نتنياهو هذه، ومستعد لتحمل الرفض المعلن”.

ويؤكد مجلس السلام أن “المحادثات المنفصلة مع إسرائيل مستمرة”، وأن خريطة الطريق تمثل اتفاقاً بين مجلس السلام وحماس.

لكن على الأرض، وعلى الأقل في المواقف العلنية، تربط حماس استعدادها لنزع سلاحها بانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، ما يبقي الشكوك قائمة بشأن إمكان تطبيق الخطة على المدى البعيد.

وفي تصريحاته، شدد ملادينوف على أن “إسرائيل ليست مطالبة بالاعتماد على الثقة أو بتنفيذ خطوات لا رجعة فيها قبل اتخاذ خطوات يمكن التحقق منها على الأرض”.

وأضاف أن “الهدف لا يزال نزع السلاح بالكامل وضمان ألا تعود غزة أبداً إلى تشكيل تهديد من النوع الذي واجهته إسرائيل في 7 تشرين الأول”.

وتابع: “البدائل هي أن تبقى حماس في الحكم وتعيد بناء قدراتها العسكرية، أو أن تعود إسرائيل إلى السيطرة على كامل سكان غزة بكلفة بشرية وعسكرية واقتصادية هائلة”.

وختم قائلاً: “مجلس السلام يطرح خياراً ثالثاً: نزع كامل للسلاح، إدارة مدنية، وجود أمني دولي تحت قيادة أميركية، وآليات للرقابة والتحقق. هناك ما يكفي من التحديات الحقيقية في هذا المسعى، ولا حاجة إلى اختراع تحديات إضافية”.

وبين استئناف الهجمات الإسرائيلية المحدودة وآلية مراقبة الخروقات الجديدة، يبقى تنفيذ خطة غزة مرتبطاً بمعادلة دقيقة: واشنطن تمنح نتنياهو هامشاً سياسياً بسبب الانتخابات، لكنها في المقابل تريد الحفاظ على وقف الاغتيالات وفتح الطريق أمام المرحلة التالية من الاتفاق.