
في نهاية شهر كانون الثاني الماضي، فاجأ رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور الأوساط الاقتصادية اللبنانية بقراره المفاجئ بوقف جميع استثماراته في لبنان وبيع ممتلكاته. هذا القرار لم يكن مجرد خبر عابر، بل صدر عن مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الحبتور، وهو اسم بارز في عالم الاستثمار العربي ومرتبط بشكل وثيق بقطاع الضيافة والسياحة في لبنان.
أوضح الحبتور أن هذا القرار جاء بعد دراسة متأنية مع مجلس إدارة المجموعة، ووصفه بأنه “المؤلم”، مؤكداً أنه لم يتمنَّ الوصول إليه. وأرجع السبب إلى “الأوضاع الراهنة في لبنان” التي تتسم بغياب الأمن والاستقرار وتلاشي أي أمل في تحسن قريب، مما دفعه إلى اتخاذ إجراءات جذرية، تشمل تجميد كافة المشاريع الاستثمارية التي كانت المجموعة تخطط لها، ومنع نفسه وعائلته ومديري المجموعة من السفر إلى لبنان، بالإضافة إلى بيع جميع الأملاك والاستثمارات.
وأشار إلى أن هذه القرارات جاءت نتيجة تقييم دقيق ومتابعة مستمرة للتطورات في لبنان، مع العلم أن المجموعة تمتلك فندقين من أهم فنادق لبنان وهما “الحبتور جراند بيروت” و”متروبوليتان بالاس بيروت”.
على الرغم من خطورة هذا الإعلان، كان رد الفعل الرسمي اللبناني مخيباً للآمال بشكل ملحوظ. لم نشهد أي مبادرة من وزارة السياحة، أو أي تحرك من رئاسة الحكومة، ولا حتى موقف واضح من رئاسة الجمهورية. غاب التواصل، وغاب الاستفسار، وحتى الحد الأدنى من الاهتمام بقرار يحمل دلالات سلبية عميقة حول مناخ الاستثمار في البلاد.
السؤال هنا لا يتعلق بالحبتور وحده، بل بكيفية تعامل الدولة اللبنانية مع ملف الاستثمار برمته. كيف يمكن لدولة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة أن تتعامل بهذا اللامبالاة مع انسحاب مستثمر بهذا الحجم؟ وما الرسالة التي تبعث بها إلى المستثمرين الآخرين الذين يراقبون الوضع عن كثب؟
في الدول التي تسعى إلى جذب الاستثمارات، كان إعلان مماثل كافياً لإطلاق تحرك فوري لاحتواء الموقف، من خلال فتح قنوات حوار ومحاولة فهم الأسباب والعمل على معالجتها. أما في لبنان، فيبدو أن التقاعس أصبح هو السائد، وكأن خسارة الاستثمارات لم تعد تستحق حتى مجرد رد فعل.
هذا الصمت الرسمي ليس مجرد تفصيل، بل هو مؤشر واضح على وجود خلل عميق في طريقة تعامل الدولة مع المستثمرين، وعلى غياب رؤية واضحة لكيفية استعادة الثقة المفقودة. فهل أصبحت الدولة عاجزة عن المبادرة؟ أم أنها لم تعد تعتبر الاستثمار أولوية؟
في لحظة كان من المفترض أن تتحرك فيها المؤسسات الرسمية بسرعة للحد من تداعيات قرار الحبتور، اختارت الصمت. وفي عالم السياسة والاقتصاد، غالباً ما يكون الصمت هو أقسى أنواع الرسائل.