
بعد مرور ساعات على بدء سريان وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وفي ظل الظروف السياسية والأمنية الحساسة التي أعقبت أسابيع من التصعيد الدامي، وجّه رئيس الجمهورية العماد “جوزاف عون” مساء اليوم أول خطاب رسمي إلى الشعب اللبناني بعد الاتفاق، مؤكداً أن هذا الإنجاز لم يكن مجرد تسوية مؤقتة، بل هو نتاج تضحيات اللبنانيين وجهود سياسية ودبلوماسية مكثفة، معلناً دخول البلاد مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ السيادة والعمل على اتفاقيات دائمة تصون الحقوق الوطنية.
بدأ “عون” كلمته بتوجيه الشكر لكل من ساهم في تحقيق وقف إطلاق النار، قائلاً: “أتوجّه بالشكر والامتنان إلى كل من ساهم بإنجاز وقف النار، بدءاً من الرئيس الأميركي الصديق دونالد ترامب، وصولاً إلى الأشقاء العرب جميعاً، وفي مقدّمهم المملكة العربية السعودية”، مشيراً إلى الاعتماد على صداقتهم لاستكمال ما بدأه لبنان وتحقيق تطلعاته.
وأكد أن وقف إطلاق النار “كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم”، كما كان نتيجة لصمود اللبنانيين في منازلهم وقراهم على خطوط النار، وجهود من تكاتفوا في المحنة، إضافة إلى “جهود جبارة بذلها كل المسؤولين اللبنانيين مع أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم”، من خلال اتصالات مكثفة ومتواصلة “وصلت النهارات بليالٍ”.
وأضاف “عون”: “تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أن ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب”.
وأشار إلى أن المرحلة القادمة، التي ستشهد الانتقال من تثبيت وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقيات دائمة، قد تعرض لبنان لهجمات سياسية وإعلامية، “لسبب بسيط هو أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن”.
وشدد على أن لبنان “يفاوض عن نفسه ويقرر عن نفسه”، مضيفاً: “لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً. بل عدنا دولة تملك وحدها قرارها”.
وفيما يتعلق بالمسار التفاوضي، أكد “عون” أن المفاوضات “ليست ضعفاً ولا تراجعاً ولا تنازلاً، بل قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا ومن حرصنا على شعبنا ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل”.
وشدد على أن “المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن”، مؤكداً استعداده لتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الخيارات “والذهاب حيثما كان لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي”، ومؤكداً أن مهمته واضحة: “إنقاذ البلد وشعبه”.
وأكد “عون” أنه “لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية أو ينتقص من كرامة الشعب أو يفرّط بذرة من تراب هذا الوطن”، محدداً الأهداف الوطنية بالقول: “وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، الانسحاب الإسرائيلي، بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً، عودة الأسرى، وعودة الناس إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة”.
وأضاف: “لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة”.
وتوجه إلى اللبنانيين داعياً إياهم إلى تغليب العقل وعدم الانسياق وراء اتهامات التخوين، مؤكداً أن “الأوطان لا تُبنى بالغريزة بل بالوعي والوحدة والثقة”.
وقال: “اللبنانيون جميعاً في سفينة واحدة، فإما أن نقودها بحكمة إلى بر الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً”، مشدداً على أن “مشروع الدولة هو الأقوى والأبقى والأضمن للجميع”.
واختتم كلمته برسالة إلى النازحين مؤكداً أنهم سيعودون إلى منازلهم وأن الدولة ستكون بجانبهم، وتوجه إلى العالم قائلاً: “لبنان لن يُكسر، شعبه لن يموت، حقه سينتصر. مستقبلنا سنصنعه بإرادتنا وبإرادة كل اللبنانيين”، واختتم خطابه بـ”عاش شعبي، عاش لبنان”.
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في منتصف ليل الخميس – الجمعة، بعد أسابيع من المواجهات العنيفة التي خلفت آلاف الشهداء والجرحى وأدت إلى موجات نزوح واسعة في عدد من المناطق اللبنانية.
وينص الاتفاق، وفقاً للصيغة المتداولة، على وقف الأعمال العدائية، مع احتفاظ إسرائيل بحق “الدفاع عن النفس” في مواجهة أي تهديد وشيك أو قائم، كما لا يتضمن نصاً صريحاً بانسحاب فوري من جميع المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية خلال العمليات الأخيرة، مما يضع المرحلة المقبلة أمام تحديات سياسية وأمنية دقيقة.
وقد تحقق الاتفاق نتيجة اتصالات مكثفة تضمنت وساطة أمريكية وتحركاً عربياً ودولياً، في إطار مقاربة تفصل بين المسار اللبناني وبقية الملفات الإقليمية، مع الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة لتثبيت التهدئة والانتقال إلى ترتيبات أوسع.
وتضع كلمة رئيس الجمهورية هذا الاتفاق في سياق أوسع، باعتباره خطوة أولى في مسار تفاوضي يهدف إلى ترسيخ السيادة وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وطي صفحة المواجهات المتكررة، تمهيداً لمرحلة إعادة الإعمار والاستقرار السياسي والأمني.