
– محمد المدني
لبنان اليوم ليس أمام مجرد أزمة يمكن حلها ببيان سياسي أو اتفاق مؤقت، بل هو يواجه مشكلة عميقة تمس صميم الدولة: من صاحب القرار؟ ومن له الكلمة العليا؟ فالدولة التي تشارك في المفاوضات يجب أن تكون هي صاحبة السلطة، لكن الواقع يظهر صورة مختلفة، حيث تتوزع هذه السلطة بين المؤسسات الرسمية من جهة، وقوى الأمر الواقع من جهة أخرى، مما يجعل أي التزام سياسي هشاً وقابلاً للتغير في أي لحظة.
لم تعد المشكلة مجرد وجود السلاح، بل الجهة التي تتحكم في استخدامه. عندما تكون هناك جهة قادرة على تعطيل العملية السياسية عن طريق سحب الدعم، وفي الوقت نفسه إبقاء الجبهة العسكرية مشتعلة، تجد الدولة نفسها في وضع مستحيل: تفاوض بدون ضمانات والتزامات غير قابلة للتنفيذ. هذه ليست مجرد أزمة سياسية، بل ضربة مباشرة لمصداقية لبنان داخليًا وخارجيًا، لأن الثقة لا تقوم على النوايا، بل على القدرة الفعلية على تنفيذ القرارات.
ما نشهده اليوم يتعدى الازدواجية المعتادة إلى حالة تفكك في مركز اتخاذ القرار. الدولة تقول شيئًا، والواقع على الأرض يقول شيئًا آخر. الحكومة تتحمل مسؤولية التفاوض، لكنها لا تملك الأدوات اللازمة. والمؤسسات تمثل الشرعية ظاهريًا، بينما القرار الفعلي يتخذ خارجها. هنا، لا نتحدث عن خلل في الأداء، بل عن أزمة سيادة كاملة الأركان، تهدد بإفراغ الدولة من محتواها وتحويلها إلى مجرد جهاز إداري بلا سلطة حقيقية.
لكن الواقعية تقتضي الابتعاد عن ردود الفعل العاطفية. التعامل مع “حزب الله” لا يمكن أن يكون بالإقصاء أو المواجهة المباشرة، لأننا أمام تركيبة معقدة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاجتماعية والإقليمية. أي محاولة لكسر هذه التركيبة بشكل عنيف ستؤدي إلى تدمير الدولة نفسها قبل التأثير على “حزب الله”، مما يجعل الخيار الأمني البحت وصفة مؤكدة للفوضى.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي هو: كيف ننهي حالة التعطيل دون إحداث فوضى داخلية؟ الجواب يكمن في مسار تدريجي يعيد بناء الدولة من داخل التوازنات القائمة، وليس بتجاوزها. دمج “حزب الله” في منطق الدولة ليس مجرد شعار سياسي، بل عملية دقيقة تتطلب إعادة بناء الثقة داخل بيئته، وتأكيد أن هذا المسار ليس استهدافًا له، بل إعادة تنظيم للعلاقة بين الدولة ومكوناتها. وفي المقابل، يجب ترسيخ مبدأ أساسي لا يقبل الجدل: لا قرارات خارج المؤسسات، ولا شرعية لأي دور يتجاوزها.
إلا أن هذا المسار الداخلي، مهما كان متماسكًا، لن ينجح إذا بقي منفصلاً عن السياق الإقليمي. فلبنان ليس جزيرة سياسية، وقراراته تتأثر بشكل مباشر بتوازنات أوسع، خاصة العلاقة مع طهران. لذلك، أي حل جدي يجب أن يمر عبر تقاطعات إقليمية تضع لبنان ضمن تسوية أوسع، وليس كساحة مفتوحة للصراعات.
تجاهل هذه الحقيقة أو محاولة تجاوزها لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة. سنبقى أمام دولة تتفاوض بدون سلطة، وواقع يفرض نفسه بدون شرعية، ومؤسسات تدير الفراغ بدلاً من أن تملأه. وعندها، لن يكون التحدي هو إصلاح النظام، بل منع انهياره الكامل.
لبنان اليوم أمام خيار واضح لا يحتمل التأويل: إما الاستمرار في إدارة هذا التناقض المميت بين دولة تتفاوض وواقع يقرر، وإما الدخول في مسار طويل وصعب لإعادة توحيد القرار السيادي. هذا المسار لن يكون سهلاً، ولن يكون سريعاً، لكنه الخيار الوحيد القادر على إعادة المعنى إلى الدولة، والجدوى إلى التفاوض، والأمل إلى بلد عالق منذ سنوات في دائرة التعطيل المستمر.