
نادراً ما تجسدت مقولة “جورج سوروس” بأن “الأموال الطائلة تُجنى في الانتقال من الوضع الكارثي إلى الوضع الكارثي بكل بساطة” كما هو الحال الآن، وذلك قبيل إعلان هدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران. هذه الهدنة لم تنهِ الصراع، ولكنها على الأقل أوقفت التصعيد الخطير الذي هدد به “دونالد ترامب”.
الارتفاع الذي شهدته الأسواق العالمية يوم الأربعاء كان مجرد تنفس الصعداء بعد استبعاد الأسوأ، خاصةً الضربة الأمريكية المحتملة للبنية التحتية الحيوية في إيران، مقابل التهديدات الإيرانية باستهداف محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء في الخليج.
كانت أكبر دفعة إيجابية قادمة من شمال آسيا، وخاصةً من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، وهي اقتصادات تعتمد بشكل كامل على واردات النفط الخام والديزل والغاز الطبيعي المسال من الخليج. ارتفعت مؤشراتها الرئيسية بنسبة تتراوح بين 5 و 6 في المئة في جلسة واحدة. ثم امتد هذا الارتفاع من طوكيو إلى أوروبا، وصولاً إلى “وول ستريت”، حيث أنهى مؤشر “ناسداك” الجلسة بمكاسب بلغت 2.8 في المئة.
في المقابل، انخفض خام برنت بنسبة 17 في المئة ليصل إلى 92 دولاراً، بعد استبعاد الأسواق فرض حصار إيراني طويل الأمد على مضيق هرمز، وما يتبعه من صدمة في إمدادات الطاقة كتلك التي شهدها العالم منذ حرب تشرين 1973. كما تراجع مؤشر التقلبات في “وول ستريت” من 30 إلى 20، مع انخفاض رهانات المتداولين على سيناريوهات الحرب الشاملة.
لكن هذا الارتياح لم يستمر طويلاً. بعد يومين من “الثلاثاء المكسيكي” في 7 نيسان، عادت الأسواق لتقييم المخاطر بدرجة أكبر مع بدء محادثات السلام بين الوفد الأمريكي ووزير الخارجية الإيراني في إسلام آباد. تراجع مؤشر “مورغان ستانلي” لآسيا والمحيط الهادئ بين 1 و 2 في المئة، وارتفع برنت إلى 98 دولاراً، بينما انخفضت الأسواق الأوروبية والأمريكية وارتفع مؤشر التقلبات إلى 22.
يبدو هذا التحول منطقياً في ظل التباين الكبير بين المطالب الأمريكية الخمسة عشر والشروط الإيرانية العشرة للسلام. هذه الشروط المتشددة من الطرفين تبدو موجهة في الأساس إلى الداخل، في محاولة لتعزيز الشرعية السياسية بعد الحرب.
لا تزال جبهة لبنان تمثل نقطة الضعف الأكبر في وقف إطلاق النار، مع استمرار القصف الإسرائيلي على أهداف تابعة لـ “حزب الله”. ربطت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بما يحدث في لبنان، وهو شرط يرفضه “بنيامين نتنياهو” بشكل قاطع.
في المقابل، لا تبدو مطالب طهران مقبولة أمريكياً، سواء فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم، أو الحفاظ على برنامج الصواريخ الباليستية، أو سحب الأصول العسكرية الأمريكية من دول الخليج، أو الحصول على تعويضات، أو فرض سيادة كاملة على مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي احتمال التوصل إلى هدنة تعيد فتح أهم ممر للطاقة في العالم، وتنهي ما يسميه بعض خبراء البنتاغون “حرب هرمز”.
تاريخياً، قد تحتاج مفاوضات بهذا التعقيد ما بين سنة وسنتين، كما حدث في كامب ديفيد وأوسلو والاتفاق النووي. من بين المقترحات الممكنة توزيع إدارة مضيق هرمز بين الدول الساحلية وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي، مع قيام الولايات المتحدة والصين بدور الضامنين المشتركين، وهي صيغة نجحت في معالجة نزاعات في مضائق وممرات مائية عالمية أخرى.
لكن تكلفة الحرب بدأت تظهر بالفعل. ارتفعت توقعات التضخم في سوق المقايضات من 2.25 في المئة عشية الحرب في منتصف شباط إلى 3 في المئة حالياً، بينما تحولت توقعات الأسواق من خفضين للفائدة في 2026 إلى عدم توقع أي خفض. بلغت التكلفة العسكرية المباشرة للحرب على الولايات المتحدة 40 مليار دولار، في حين دفعت إيران ودول الخليج أثماناً مالية ونفسية وبشرية باهظة.
على مستوى الشركات، قدرت “إكسون” خسارة 4 في المئة من إنتاجها العالمي نتيجة الهجمات على منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها في الخليج، بينما أعلنت “دلتا إيرلاينز” أن فاتورة وقود الطائرات ارتفعت بمقدار ملياري دولار. كذلك انخفضت سندات شركات التطوير العقاري في دبي إلى مستويات تعكس عوائد بين 25 و 40 في المئة، مما يشير إلى ارتفاع كبير في مخاطر التعثر.
في الختام، لم تحقق هدنة الأسبوعين أكثر من تجميد مؤقت للمواجهة. أما الخسائر التي خلفتها حرب آذار ونيسان، فستظل حاضرة في الأسواق والاقتصاد والمنطقة، حتى بعد أن تهدأ المدافع. (agbi)