الرئيس يعيد النظر في خطته ويؤكد: "أنا جاهز"

– محمد المدني

في بكركي، ألقى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تصريحاً يشي بمحاولة واضحة لتغيير موقعه بعد فترة طويلة من التوازنات الدقيقة. لقد تميزت المرحلة السابقة بتبني خيار “تجنّب الصدام”، مما أدى إلى فتح حوار مع حزب الله على أمل التوصل إلى حل تدريجي لمسألة السلاح والقرار الأمني. لكن هذا المسار، على الرغم من طوله، لم يحقق أي نتائج ملموسة، بل أدى إلى استنزاف سياسي أدى داخلياً إلى ترسيخ الوضع الراهن، وخارجياً إلى إثارة تساؤلات حول قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة.

في الأساس، كان الرهان على أن الحوار يمكن أن يكون مخرجاً يحافظ على الاستقرار ويضع الأساس لمسار تدريجي نحو استعادة الدولة لسيطرتها. إلا أن النتيجة كانت عكس ذلك: فقد تحول الحوار إلى عامل يطيل الأزمة بدلاً من حلها، وبدأت الثقة الدولية التي تراكمت حول شخصية جوزاف عون منذ قيادته للجيش تتزعزع. لم يكن الخارج ينتظر معجزة، بل كان ينتظر مؤشرات عملية، لا إدارة مفتوحة للوقت.

كانت النقطة الحاسمة هي الانتقال من الحوار السياسي إلى القرار التنفيذي، عندما طُلب من المؤسسة العسكرية إعداد خطة للتعامل مع ملف السلاح غير الشرعي. هنا دخل الملف مرحلة مختلفة تماماً، لأنه لم يعد مجرد مسألة نظرية، بل أصبح يمس جوهر موازين القوى في لبنان. هذا التحول وضع رئيس الجمهورية أمام معادلة صعبة، إما الاستمرار في سياسة التهدئة، أو التحول إلى خطاب أكثر وضوحاً وحسماً.

تعكس الكلمة الأخيرة للرئيس بوضوح اختياره للاتجاه الثاني. للمرة الأولى، يظهر خطاب يتجاوز اللغة الرمادية، ليقترب من ترسيخ خطوط سياسية واضحة: لا قرار خارج الدولة، لا حرب خارج المؤسسات، ولا استمرار لازدواجية المرجعية. والأهم من ذلك، أن الرسالة لم تكن داخلية فقط، بل حملت أبعاداً إقليمية تتعلق بدور إيران وتأثيرها في المعادلة اللبنانية.

لكن السؤال الأساسي يبقى: هل يكفي هذا التحول الخطابي لإقناع الخارج؟

الجواب هو لا… لكنه شرط ضروري وليس كافياً. المجتمع الدولي، الذي منح الرئيس عون هامشاً كبيراً من الثقة، لم يعد يكتفي بالمواقف، بل ينتظر ترجمة عملية. أي أن المشكلة لم تعد في “ما يُقال”، بل في “ما يمكن فعله”. فلبنان، من وجهة نظر الخارج، دخل مرحلة فقدان المصداقية التراكمي، حيث لم تعد النوايا كافية لإعادة بناء الثقة.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية ما حدث. إن استعادة المبادرة سياسياً وإعلامياً يعني أن رئاسة الجمهورية تحاول الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل. وهذا بحد ذاته تحول مهم، لأنه يعيد وضع معايير واضحة للنقاش الداخلي، ويضع سقفاً رسمياً يمكن البناء عليه.

المعادلة اليوم هي أن رئيس الجمهورية يحاول أن يقول للخارج “أنا جاهز”، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن أي خطوة عملية تحتاج إلى توازن داخلي شديد الحساسية. وهنا تكمن العقدة: الفجوة بين القدرة على إعلان الموقف، والقدرة على تنفيذه.

في الختام، ما قاله الرئيس عون هو بداية مسار، وليس نهايته. إنها محاولة لإعادة بناء الثقة، لكن الحكم النهائي لن يكون على الخطاب، بل على الخطوات التالية. لأن الخارج، ببساطة، لم يعد يسأل ماذا يريد الرئيس، بل ماذا يستطيع أن يفعل.