بين النتائج والقلق.. الكبار يقتربون من المونديال بلا هيبة كاملة

مع ظهور النتائج الأخيرة قبيل انطلاق كأس العالم، يمكن ملاحظة أن انحدار مستوى بعض المنتخبات الكبرى لم يحدث عبثًا، ولا يمكن حصره في غياب نجم بارز أو مجرد عثرة مؤقتة. الأمر أعمق من ذلك، إذ يرتبط بتغير طبيعة اللعبة نفسها، وفقدان بعض المنتخبات لثلاثة عناصر كانت تزرع الرهبة في قلوب المنافسين سابقًا: الهوية، والاستقرار، والقدرة على فرض السيطرة.

في الماضي، كانت المنتخبات ذات التاريخ العريق تدخل المباريات بصورة واضحة المعالم. بمجرد مواجهة “إيطاليا”، كنت تعرف أنك ستواجه فريقًا يجيد إغلاق المساحات وإخماد المباراة تكتيكيًا. وكنت تتوقع أن “ألمانيا” ستضغط بقوة وتنظم إيقاعها بعقلية صارمة، وأن “البرازيل” ستمتلك حلولًا فردية قادرة على قلب الموازين. هذا الوضوح كان جزءًا من الهيبة. أما اليوم، فقد فقدت العديد من هذه المنتخبات هذا التعريف القوي، وأصبحت في بعض الأحيان مجرد أسماء لامعة بدون سمات مميزة. ليست المشكلة دائمًا في اللاعبين. صحيح أن بعض الأجيال الحالية لا تملك نفس التألق الذي تمتعت به الأجيال السابقة، لكن الأزمة الحقيقية غالبًا ما تكمن في الرؤية الفنية. هناك منتخبات تمتلك لاعبين ممتازين في أنديتهم، لكنها تبدو باهتة على المستوى الدولي لأنها لم تنجح في تحويل المهارات الفردية إلى منظومة جماعية متكاملة. اللاعب الموهوب وحده لا يصنع منتخبًا مرعبًا، إذا لم يكن هناك أسلوب لعب واضح يربط بين الأدوار ويمنح الفريق شخصية ثابتة.

ومع اقتراب “كأس العالم 2026″، لا تبدو صورة المنتخبات الكبيرة مُرضية تمامًا، حتى عندما تحقق نتائج إيجابية في المباريات الودية. “فرنسا” قدمت أفضل مؤشراتها هذا الأسبوع بعد الفوز على “البرازيل” بنتيجة 2-1 ثم التفوق على “كولومبيا” بنتيجة 3-1، في أداء أظهر عمقًا هجوميًا وتنوعًا في الحلول قبل إعلان القائمة النهائية في “14 أيار”. “إسبانيا” بدورها بدت أكثر تماسكًا، بعد تجاوز “صربيا” بنتيجة 3-0، مؤكدة أن وضوح الخطة الجماعية قد يكون اليوم أهم من بريق الأسماء بمفرده. لكن الصورة ليست مثالية لدى جميع الفرق. “إنجلترا” اكتفت بتعادل متأخر 1-1 مع “الأوروغواي”، في مباراة كشفت أن السيطرة النسبية لا تكفي دائمًا، خاصة مع كثرة التغييرات والتردد في اللحظات الحاسمة، فيما تستعد لمواجهة “اليابان” يوم “31 آذار” وسط غيابات عديدة في صفوف الفريق. أما “ألمانيا”، فبالرغم من فوزها المثير 4-3 على “سويسرا”، فقد تركت انطباعًا مختلطًا تجسد في قوة هجومية واضحة مقابل ضعف دفاعي لا يزال مقلقًا، ولهذا تبدو مباراتها أمام “غانا” اليوم اختبارًا جديدًا قبل حسم الخيارات النهائية.

في الواقع، إن تراجع هيبة بعض المنتخبات الكبيرة لا يعني بالضرورة انخفاض النتائج فحسب، بل أيضًا تراجع القدرة على إثارة الخوف واليقين في آن واحد. فبعض المنتخبات الكبيرة تفوز، لكنها لا تقنع تمامًا، والبعض الآخر يمتلك الأسماء اللامعة، لكنه لا يمتلك بعد الشخصية المتكاملة. ومع بقاء أسابيع قليلة على المونديال، تبدو المباريات الودية الحالية أقل شبهاً بمباريات إعدادية عادية، وأشبه بامتحان أخير لسؤال واضح: من يمتلك اسمًا كبيرًا فقط، ومن يمتلك حقًا منتخبًا جاهزًا لكأس العالم؟