بيار الجميّل: الرجل الذي لم يقُده الجمهور

“ليبانون ديبايت” – عبدالله ريشا، أمين عام المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية

يشتاق اللبنانيون إلى عصور الهامات ورجالات الدولة منذ تأسيس دولة لبنان الكبير حتى مرحلة متقدمة من الحرب اللبنانية، وعلى تعدد اختلافاتهم حول مراحل النزاعات وشخصياتها السياسية المتخاصمة، يقرّون أن الزمن الجميل ولّى، ليس فقط بسبب غياب هؤلاء، بل لأن نمط الحياة السياسية تغيّر بشكل كبير بعد الحرب، مع دخول المال السياسي والتوريث غير الموفّق في بعض الحالات، من دون التعميم لعدم الوقوع بالشمولية الظالمة، ذلك بسبب عدم خلو الساحة اليوم من الكفاءات السياسية.

من بين من اشتاقوا إلى قوة شخصياتهم وعمق وطنيتهم، ذلك الرجل الذي قال يوماً: «ليس الجمهور الذي سيقودني، بل أنا الذي سأقود الجمهور». وحقق ذلك من خلال محطات مفصلية استطاع من خلالها تجنّب لبنان والمسيحيين سقطات إضافية.

عام 1943، لم يكن المسيحيون يحبّذون ذوبان جبل لبنان بالأقضية الإسلامية، ولا التخلّي عن أمّ ما زالت حنونة وتلتزم حمايتهم. عرف بيار الجميّل أن رياح التغيير بدأت تعصف بالمنطقة، وأن النفوذ الفرنسي آيل إلى التراجع. هذا في الوجهة البراغماتية وحسن قراءة الجيوسياسة، ولكن ما هو أهم من ذلك هو إيمان بيار الجميّل بالميثاق والعيش الواحد وحدود الـ10,452 كيلومتراً مربعاً. وبالرغم من الموجة الشعبية المشكّلة آنذاك، خاض معركة الاستقلال إلى جانب شركائه في الوطن، موجهاً المسيحيين إلى حيث وطن الرسالة، ومستشرفاً قداسة ما رسمه البطريرك الحويك قبل أعوام قليلة.

عام 1958، قرع المسيحيون أجراس الكنائس حزناً على انتخاب من خذلهم بعدم خوض معركة الرئيس كميل شمعون بوجه الثورة الناصرية. لم يقتنع بيار الجميّل باتجاهات الموجة، واستشعر فرصة تاريخية لبناء دولة القانون والعدالة وتأسيس المدماك الأول للحياد الحقيقي. خاض معركة عهد فؤاد شهاب الإصلاحي، آخذاً معه المسيحيين، أو قسماً كبيراً منهم، إلى حيث كتب التاريخ أعظم مرحلة من حياة وطن ما زال يتنعّم بإنجازاته المتعددة.

بعد 11 سنة، وقّع لبنان اتفاق القاهرة الذي شرّع العمل الفدائي المسلح، لينقسم اللبنانيون حوله وحول الهوية والدستور والصلاحيات والمقاومة والجيش. اعتبر جمهور بيار الجميّل أن الاتفاق ينتقص من السيادة وهيبة الدولة، وعارضوا المصادقة عليه وتطبيقه على الأرض. ولكن بيار الجميّل، المدرك بالأرض وخطورة المرحلة، لم يلبِّ توجهات بيئته الحاضنة واختار الصمت وتمرير المرحلة. صمتٌ فُسّر على أنه قبول ورضوخ، ليتبيّن لاحقاً أن الصمت كان لتفادي المواجهة غير المتكافئة وتأجيل انفجار حتمي بشروط أفضل، ليتيح لحزب الله والعائلة والوطن، ومعهم الجبهة اللبنانية وغيرها من القيادات، التمكّن من المواجهة وتحرير الأرض ممن أراد تحقيق الوطن البديل في شوارع الأشرفية والدكوانة وجونيه.

وبعد مرور سنة على المقاومة ومحاولة تأخير مشروع الاقتحام، وبعد أن كانت الجغرافيا قد سقطت بنسبة 75 بالمئة، راودت هنري كيسنجر فكرة مجنونة، على حد قوله في مذكراته، أثناء توجهه إلى الشرق الأوسط، وهي الدفع لدخول الجيش السوري بمهمة وقف مدّ منظمة التحرير والحركة الوطنية، ومن ورائهم الاتحاد السوفياتي.

اختار بيار الجميّل مرة أخرى الصمت الاستراتيجي وأكثر، في لحظة جيوسياسية وداخلية ما زالت تحت مجهر التقارير والدراسات والتحليل، منها من اتهمه بإدخال الجيش السوري والتخلي عن السيادة وحرمة الأرض والحدود. أما إفادة التاريخ فكانت منصفة لرجل تمكّن من تحرير الأرض وتمكين الوجود الحر الآمن واللعب على تناقضات الإقليم، محققاً سقوط مشروع الوطن البديل وسقوط مشروع تهجير المسيحيين إلى كندا في بواخر المندوب الأميركي دين براون.

قد يختلف اللبنانيون على هذه المحطات وغيرها من تاريخهم المعقّد وعلى توصيف بيار الجميّل، ولكنهم يتفقون أن قوة هذا الرجل أتت من جمهور كان يوماً ما أكثرية ساحقة التفّت حوله، هو الذي واجه توجهاتهم وبعضاً من انحرافاتهم بشجاعة، مستنداً إلى قوة إيمانه بلبنان الـ10,452، وطن الرسالة والعيش الإسلامي المسيحي.