"عقل" أميركي داخل سلاح روسي... الاستخبارات الأوكرانية تكشف المستور

كشفت الاستخبارات الأوكرانية عن مفاجأة تقنية داخل أحد أحدث صواريخ كروز الروسية، بعدما عثرت خلال تفكيك حطام صاروخ من طراز S-71M على وحدة حوسبة صغيرة من إنتاج شركة “إنفيديا” الأميركية، في واقعة تقول كييف إنها تكشف حجم اعتماد موسكو على مكونات غربية تصل إليها عبر شبكات تهريب تمتد من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا مرورًا بدول ثالثة.

وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع “mako” الإسرائيلي، فإن وحدة الحوسبة “NVIDIA Jetson Orin”، التي طُوّرت أساسًا لمشاريع الروبوتات المدنية، عُثر عليها داخل صاروخ الكروز الروسي الحديث S-71M، فيما أظهر تقرير للاستخبارات الأوكرانية أن هذه الشريحة تمنح الصاروخ قدرة على البحث الذاتي عن الأهداف واتخاذ القرارات من دون الحاجة إلى مشغّل بشري.

وكشفت الاستخبارات الأوكرانية أيضًا عن عشرات المكونات الأجنبية الأخرى التي عُثر عليها داخل منظومات تسليح روسية وإيرانية.

ووصف التقرير الاكتشاف بأنه معطى استخباراتي لافت كشفه جهاز الاستخبارات التابع لوزارة الدفاع الأوكرانية GUR/DIU، معتبرًا أنه يُظهر عمق اعتماد روسيا على التكنولوجيا الغربية، ولا سيما في ما يتعلق بدمج قدرات متقدمة للذكاء الاصطناعي في أسلحة تُستخدم على الجبهة ضد كييف.

وكان خبراء استخبارات أوكرانيون قد فككوا صاروخ الكروز الروسي الحديث S-71M “مونوكروم”، ليفاجأوا بوجود وحدة حوسبة أميركية الصنع من طراز “NVIDIA Jetson Orin” في داخله.

والشريحة المذكورة تُنتج على نطاق واسع للاستخدام في مشاريع مدنية تشمل الروبوتات والرؤية الحاسوبية والأنظمة الذاتية، لكنها وجدت طريقها، وفق التقرير، إلى صناعة السلاح الروسية.

وبحسب نتائج تقرير الاستخبارات الأوكرانية، فإن الشريحة الأميركية، التي تتضمن كاميرا مدمجة، تدير المرحلة النهائية من توجيه الصاروخ باستخدام خوارزميات للرؤية الحاسوبية.

ويعالج الصاروخ المعلومات البصرية في الوقت الفعلي، ويقفل على الهدف ويوجّه نفسه نحوه من دون الحاجة إلى أي تدخل أو إدخال مباشر من مشغّل بشري، ما يعزز قدرات روسيا في مجال أسلحة “أطلق وانسَ”.

وتجعل هذه القدرة صاروخ “مونوكروم” سلاحًا هجوميًا ذاتي التشغيل وقاتلًا، قادرًا على مسح منطقة الهدف بشكل مستقل، والتعرف إلى الأهداف اعتمادًا على قاعدة بيانات داخلية، واتخاذ قرار الهجوم بصورة مستقلة بالكامل في الميدان.

وسبق أن عُثر على تكنولوجيا مشابهة للرؤية الحاسوبية في أسلحة روسية أخرى، من بينها المسيّرة الهجومية “V2U” ومسيّرة “شاهد-236”.

أما صاروخ “مونوكروم” S-71M، فهو معدّ للإطلاق من المقاتلة الروسية الشبحية الحديثة “سوخوي Su-57″، ويحمل رأسًا حربيًا يزن 250 كيلوغرامًا، فيما تتراوح سرعته بين 500 و600 كيلومتر في الساعة، ويصل مداه إلى ما بين 350 و400 كيلومتر.

وبدأت القوات الروسية استخدام الصاروخ في المعارك على نطاق محدود منذ مطلع عام 2026، وهو ما يشير، بحسب التقرير، إلى أن المنظومة لا تزال في مراحل الاختبار والتقييم العملياتي.

ويمثّل S-71M النسخة الأكثر تطورًا من صواريخ العائلة نفسها، بعد دخول صاروخ S-71K “كوفور”، أي “السجاد”، الخدمة في أواخر عام 2025.

وفي حين يتميز الطراز الأقدم S-71K بصورة أساسية بـ”بصمة منخفضة”، ويحمل رأسًا حربيًا قائمًا على قنبلة سوفياتية قديمة شديدة الانفجار والتشظي من طراز “OFAB-250-270″، فإنه يفتقر إلى الشريحة المتقدمة وقدرات اتخاذ القرار الذاتي الموجودة في “مونوكروم” الحديث.

ويأتي الكشف عن “مونوكروم” ضمن جهد أوسع تبذله الاستخبارات الأوكرانية، بالتعاون مع مؤسسات البحث العلمي في البلاد، لدراسة الأسلحة الروسية التي تقع في أيدي القوات الأوكرانية في الميدان.

وفي إطار تحديث نشر على بوابة “War&Sanctions”، كشف الأوكرانيون عن بيانات تتعلق بـ35 مكونًا إلكترونيًا أجنبيًا عُثر عليها مؤخرًا داخل ذخائر وأسلحة روسية وإيرانية.

ومن بين هذه المكونات، عُثر على كاميرا صينية من طراز “Honpho TS130C-01” داخل المسيّرة الإيرانية الجديدة “شاهد-4”.

كما جرى العثور على مكونات لرؤوس توجيه رادارية سلبية جرى تركيبها على طائرات مسيّرة أخرى من طراز “شاهد”، بهدف تحديد مواقع أنظمة الرادار والدفاع الجوي الأوكرانية ومهاجمتها.

كذلك، عُثر داخل صاروخ “كينجال” الفرط صوتي على مكونات لرأس توجيه راداري نشط من صناعة غربية.

وتقول أوكرانيا إن عامين من العقوبات الدولية غير المسبوقة، المفروضة منذ الغزو الروسي عام 2022، لم يدفعا موسكو حتى الآن إلى استبدال هذه المكونات عالية التقنية ببدائل مصنّعة محليًا.

ولمواصلة إنتاج أكثر أسلحتها تطورًا، تعتمد موسكو، وفق كييف، بصورة كاملة على شبكات إمداد ضمن ما يُعرف بـ”السوق الرمادية”، تتولى تهريب الشرائح الإلكترونية والكاميرات من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا عبر دول ثالثة.

وتأمل كييف أن تؤدي عمليات النشر هذه، إلى جانب كشف أنواع المكونات وأسماء الشركات المصنّعة لها، إلى دفع الدول الغربية نحو تشديد الرقابة والضغط على المورّدين وإغلاق مسارات التهريب التي تصفها بأنها “تغذّي آلة الحرب في الكرملين”.

وبذلك، لا يقتصر الكشف الأوكراني على مكونات صاروخ واحد، بل يسعى إلى وضع شبكة الإمداد التكنولوجية التي تعتمد عليها الصناعات العسكرية الروسية تحت ضغط مباشر، عبر نقل المعركة من خطوط الجبهة إلى مسارات الشرائح والكاميرات التي تعبر الحدود قبل أن تصل إلى منظومات السلاح.