طائرة مفخخة قرب شحنة ذخائر... ألمانيا تكشف حادثة خطيرة بعد شهر

تتسع دائرة الاشتباه بعمليات تخريب تستهدف بنى تحتية ومرافق مرتبطة بدعم أوكرانيا في أوروبا، بعدما اتهمت ألمانيا روسيا رسميًا بالوقوف خلف حادثة طائرة مسيّرة مفخخة عُثر عليها قرب طائرة شحن أوكرانية محمّلة بذخائر عسكرية في مطار لايبزيغ، بالتزامن مع انفجار وأضرار في محطة كهرباء شرقي البلاد، وحريق مشبوه في مصنع بولندي ينتج طائرات مسيّرة لكييف.

وبحسب تقرير لموقع “واينت” الإسرائيلي والوكالات، أفادت وسائل إعلام ألمانية، بعد ظهر الثلاثاء، بوقوع عملية تخريب استهدفت بنية تحتية للكهرباء في ولاية براندنبورغ شرقي ألمانيا.

وتحدثت تقارير عن العثور على عبوات ناسفة بدائية في موقع الحادث، مع احتمال استخدام “صواريخ بدائية” أو وسائل نارية في الهجوم الذي ألحق أضرارًا بمحطة فرعية تابعة لمحطة كبيرة تعمل بالفحم.

ولم تؤكد الشرطة الألمانية هذه التفاصيل حتى الآن، واكتفت بالإشارة إلى أن أضرارًا لحقت بالموقع وتسببت بانقطاع قصير للتيار الكهربائي، قبل أن تتم إعادة التغذية بالكامل.

ولم تحدد السلطات حتى الآن الجهة التي قد تكون مسؤولة عن الهجوم، الذي وقع قبل ساعات فقط من إعلان الحكومة الألمانية اتهام روسيا رسميًا بالمسؤولية عن حادثة أخرى وقعت قبل نحو شهر.

وتتعلق تلك الحادثة بطائرة مسيّرة مفخخة عُثر عليها قرب طائرة شحن أوكرانية كانت محمّلة بذخائر عسكرية في مطار لايبزيغ.

ويُشار إلى أن ناشطين فوضويين سبق أن ألحقوا، في بداية هذا العام، أضرارًا بالبنية الكهربائية في برلين، ولذلك لا يمكن افتراض أن روسيا هي المسؤولة بالضرورة عن حادث براندنبورغ الحالي.

ووقعت عملية التخريب، بحسب التقارير، في المحطة الفرعية في بلدة تورنو-فرايلاك، قرب محطة يانشفالده الكبيرة التي تعمل بالفحم، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 1500 ميغاواط، ما يجعلها رابع أكبر محطة من نوعها في ألمانيا.

وقالت الشرطة إنها تلقت البلاغ عن الحادث نحو الساعة 8:00 صباحًا بالتوقيت المحلي، وعُثر في الموقع على جسم حارق واحد على الأقل لم ينفجر.

ولم توضح الشرطة في بيانها كيف وقع الضرر في البنية التحتية، فيما قالت الشركة المشغلة للشبكة المحلية إن جهات مجهولة ألحقت أضرارًا بـ”عدة خطوط كهرباء” داخل المحطة الفرعية، من دون تحديد طبيعة الأضرار أو حجمها.

وذكرت صحيفة “بيلد” أن الهجوم تضمن استخدام “صواريخ بدائية”، لكنها أشارت إلى احتمال أن تكون في الواقع ألعابًا نارية، لافتة إلى استدعاء خبراء متفجرات لمعالجة مكونات بقيت في المكان.

وبحسب “بيلد”، أكدت الشرطة وقوع انفجار واحد على الأقل في الموقع.

وتقاطع ذلك مع تقرير لصحيفة “ميركيشه ألغماينه تسايتونغ”، نقلت فيه عن مصادر أمنية وصناعية أن فرق الطوارئ عثرت على “عدة مكونات لصواريخ مزودة بمواد متفجرة”.

وقالت الصحيفة إن المحطة الفرعية “تعرضت للإصابة أكثر من مرة”، وإن الشبهة هي أن الهدف من الهجوم كان التسبب بانقطاع واسع للتيار الكهربائي.

وأضافت أن الكهرباء المنتجة في محطة يانشفالده تمر إلى شبكة النقل عبر المحطة الفرعية المستهدفة، ما يجعل الموقع “نقطة ربط شديدة الحساسية”.

ورغم ذلك، لم تؤكد الشرطة المحلية هذه التقارير، فيما نقلت “بيلد” عن متحدثة باسم الشرطة قولها: “نحن لا نتحدث هنا عن صواريخ”.

ولا يزال من الصعب تحديد الجهة التي قد تكون مسؤولة عن الحادث، في ظل احتمال ربطه بما تصفه دول أوروبية بـ”الحرب الهجينة” التي تتهم موسكو بشنها ضد دول القارة ردًا على دعمها لأوكرانيا، مقابل احتمال وقوف ناشطين محليين خلفه لأسباب مختلفة.

وكان ناشطون فوضويون من اليسار المتطرف قد ألحقوا في بداية العام أضرارًا بالبنية الكهربائية في برلين، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن أحياء كاملة في جنوب غربي العاصمة لعدة أيام وفي ذروة البرد.

وتبنت مجموعة تُعرف باسم “مجموعة فولكانو” ذلك الهجوم، وقالت إن هدفها الاحتجاج على صناعة الوقود.

ويُشتبه أيضًا بأن المجموعة نفسها تقف خلف عملية إحراق عطلت الإنتاج في مصنع سيارات “تسلا” في برلين عام 2024.

ومع ذلك، جاء حادث براندنبورغ قبل ساعات من إعلان الحكومة الألمانية للمرة الأولى وبشكل صريح أن روسيا تقف خلف الطائرة المسيّرة المفخخة التي عُثر عليها في 4 آب قرب طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ.

وكانت الطائرة الأوكرانية من طراز “أنتونوف” محمّلة بذخائر عسكرية، وكان من الممكن أن يؤدي انفجار المسيّرة إلى كارثة كبيرة.

وعُثر على المسيّرة قرب موقف ملاصق لمدرج الإقلاع، ويُشتبه في أنها لم تنفجر بسبب خلل تقني.

وعقب اكتشافها، توقفت عمليات الإقلاع والهبوط في المطار، الذي يُعد مركزًا مهمًا لحركة طائرات الشحن ويستقبل أيضًا عددًا كبيرًا من طائرات الركاب، فيما جرى تحويل رحلات إلى مطارات قريبة.

وأعلنت السلطات الألمانية أن طائرة أخرى تابعة لشركة الشحن “دي إتش إل”، جرى تحويلها إلى هانوفر، أبلغت لاحقًا عن تعرضها لاصطدام بجسم ما على بعد نحو 400 متر من مطار لايبزيغ، ويُرجح أنه كان طائرة مسيّرة أخرى.

وجاءت حادثة لايبزيغ بعد عامين شهدت خلالهما دول أوروبية اختراقات متكررة بطائرات مسيّرة مجهولة لمطارات مدنية ومواقع استراتيجية.

وترجح جهات استخباراتية بدرجة كبيرة أن تكون أجهزة الاستخبارات الروسية خلف إدخال هذه الطائرات، بهدف تعطيل حركة النقل في أوروبا وزرع الذعر ودفع الدول إلى التراجع عن مواصلة الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا.

ورغم أن روسيا كانت المشتبه بها مباشرة، امتنعت الحكومة الألمانية طوال أسابيع عن توجيه اتهام صريح إلى موسكو، قبل أن تشير تقارير في الأيام الأخيرة إلى استعدادها لإعلان رسمي يتضمن اتهامًا مباشرًا وعقوبات جديدة.

وجاء الإعلان مساء الثلاثاء خلال مؤتمر صحافي مشترك لوزير الخارجية يوهان فاديفول ووزير الداخلية ألكسندر دوبريندت.

وقال دوبريندت إن الهجوم يتوافق مع نمط “العمليات الهجينة” الروسية، مضيفًا أن حكومة برلين “توصلت إلى خلاصة مفادها أن روسيا مسؤولة عن الهجوم الهجين في 4 آب”.

من جهته، أعلن فاديفول أن الرد على الحادثة سيشمل إغلاق القنصلية الروسية في بون، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 18 أيلول، إضافة إلى إغلاق المركز الثقافي “البيت الروسي” في برلين.

وكان فاديفول قد قال قبل الإعلان: “لا نبالغ في ردنا، لكن هناك رد عندما نتعرض للهجوم”.

وأضاف: “على روسيا أن تفهم أن ألمانيا قوة استقرار في أوروبا، مستعدة دائمًا للتفاوض، لكنها لن تتراجع بأي شكل من الأشكال”.

ولم تصدر موسكو حتى الآن تعليقًا على الاتهام الألماني الجديد، لكن السفارة الروسية في برلين كانت قد نفت سابقًا أي تورط روسي في حادثة لايبزيغ، ووصفت هذه الاتهامات بأنها “استفزاز مفبرك” وجزء من “موجة جديدة من الهستيريا المعادية لروسيا في ألمانيا”.

وفي ألمانيا، تُدرج هذه الحوادث ضمن ما يُسمى “الحرب الهجينة” الروسية ضد أوروبا، إلا أن تصاعد التوتر، الذي يشمل أيضًا تهديدات روسية صريحة بضرب مصانع في بريطانيا تزود كييف بالأسلحة، دفع إلى دعوات للتعامل مع هذه العمليات باعتبارها هجمات فعلية.

وقالت ماري-أغنيس شتراك-تسيمرمان، العضو الألمانية في البرلمان الأوروبي ورئيسة لجنة الأمن والدفاع فيه، إنه يجب الابتعاد عن استخدام مصطلح “هجوم هجين”، لأن ما يحدث بات، بحسب تعبيرها، “هجمات حقيقية”.

وفي موازاة ذلك، اتهمت السلطات البولندية، الثلاثاء، عملية تخريب متعمدة بالوقوف على الأرجح خلف حريق اندلع صباح الإثنين في مصنع تابع لشركة “WB Electronics” في مدينة سكارزيسكو-كاميننا وسط البلاد، وهو مصنع ينتج طائرات مسيّرة يستخدمها الجيش الأوكراني.

وقال وزير الداخلية البولندي مارسين كيرفينسكي للصحافيين: “كل شيء يشير إلى أن الأمر يتعلق بعمل تخريبي”.

وكان الادعاء البولندي قد أعلن منذ الإثنين أنه يحقق في احتمال أن تكون “أجهزة استخبارات أجنبية” تقف خلف الحريق، الذي تُقدّر قيمة الأضرار الناجمة عنه بنحو 15 مليون زلوتي، أي ما يقارب 4 ملايين دولار.

وبين اتهام برلين الرسمي لموسكو، وتخريب منشأة كهربائية في ألمانيا، وحريق مشبوه داخل مصنع بولندي يزوّد أوكرانيا بالطائرات المسيّرة، تتراكم مؤشرات القلق الأوروبي من انتقال المواجهة مع روسيا من ساحات الحرب التقليدية إلى البنى التحتية والمصانع والمطارات في قلب القارة.