
“ليبانون ديبايت”
مع اقتراب موعد انتهاء ولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان”اليونيفيل”، يدخل الملف الجنوبي مرحلة شديدة الحساسية، لا تتصل فقط بمصير القوة الدولية وتركيبتها المقبلة، بل بطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية التي ستُرسم للجنوب في المرحلة التالية.
وفي وقت تكثفت فيه الاتصالات اللبنانية والدولية بحثاً عن صيغة تحول دون حدوث فراغ ميداني أو سياسي مع انتهاء مهمة “اليونيفيلط، تبدو الرئاسة اللبنانية منشغلة بتثبيت مقاربة تحافظ على دور الدولة وتمنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام ترتيبات تتجاوز التفاهمات القائمة، وفي هذا الإطار، تتواصل المساعي الرئاسية مع القوى السياسية والدولية المعنية بالملف، في محاولة لحماية الاستقرار في الجنوب والإبقاء على المرجعيات الدولية التي تنظّم الوضع منذ صدور القرار 1701.
ويكتسب موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة في هذا المسار، في ظل تمسكه بضرورة الحفاظ على صيغة القرار 1701 وما يرتبط بها من تفاهمات، ورفض أي ترتيبات يمكن أن تُنتج واقعاً جديداً على الأرض من دون توافق لبناني ودولي واضح، وتأتي هذه المواقف في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع واقع ميداني خطير، ما يجعل مستقبل “اليونيفيل” جزءاً من معركة أوسع حول شكل الجنوب وحدود الدور الدولي فيه.
وبحسب مصادر دبلوماسية متابعة للملف لـ”ليبانون ديبايت”، فإن النقاش الجاري لا يقتصر على مسألة تمديد مهمة “اليونيفيل” أو استبدالها بقوة دولية أخرى، بل يتصل بصورة أوسع بالصيغة التي ستحكم الجنوب بعد انتهاء الولاية الحالية.
وتقول المصادر إن عدداً من الأفكار المتداولة في الأروقة الدولية لا يزال بعيداً عن إمكانية التطبيق، سواء بسبب غياب الظروف السياسية والميدانية اللازمة لتنفيذها أو بسبب احتمال اصطدامها باعتراضات داخل مجلس الأمن.
وتلفت المصادر إلى أن الطروحات التي جرى تداولها بشأن القوة التي يمكن أن تتولى المهام في الجنوب بعد “اليونيفيل” تواجه مجموعة من العقبات، بينها طبيعة التفويض الذي ستُمنح إياه هذه القوة، وحدود صلاحياتها، إضافة إلى الموقف المتوقع من عدد من الدول الكبرى في مجلس الأمن، لا سيما الولايات المحدة الاميركية، وبالتالي، فإن أي صيغة جديدة لن تكون مسألة تقنية مرتبطة بتبديل قوة بأخرى، بل ستحتاج إلى توافق سياسي دولي يحدد بصورة دقيقة طبيعة المهمة وآليات تنفيذها.
وفي موازاة ذلك، تكشف المصادر أن هناك اتجاهاً داخل بعض دوائر البحث الدولية نحو إعادة صياغة قواعد الحوكمة في الجنوب، بما قد يؤدي عملياً إلى تجاوز عدد من الأسس التي قام عليها القرار 1701، وترى أن هذا الاتجاه يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً إذا جرى الفصل بين مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ومسألة السلاح، أو إذا أُعيد تعريف مسؤوليات الأطراف بطريقة مختلفة عن الصيغة التي أرساها القرار الدولي.
وتشير المصادر إلى أن أي محاولة لإعادة صياغة هذه المعادلة قد تفتح الباب أمام اعتراضات داخل مجلس الأمن، خصوصاً أن مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية ليست متطابقة حيال مستقبل الجنوب، ولذلك، فإن الوصول إلى قرار جديد لن يكون أمراً سهلاً، وقد يواجه تحفظات أو حتى احتمال استخدام حق النقض من جانب إحدى الدول المعنية.
وفي هذا السياق، يجري البحث، وفق المعلومات، في إمكانية صياغة قرار جديد يستند إلى ما يعرف بـ”اتفاق الإطار الثلاثي”، بما يسمح بإيجاد مظلة دولية جديدة للترتيبات المقبلة، ويحافظ في الوقت نفسه على الحد الأدنى من التفاهمات القائمة، ويترافق ذلك مع أفكار حول مشاركة قوات أوروبية في التشكيلة التي يمكن أن تتولى بعض المهام في الجنوب، وإن كانت هوية هذه الدول وطبيعة مشاركتها لا تزالان موضع نقاش.
لكن التطور الأكثر إثارة في هذا الملف، بحسب معلومات خاصة حصل عليها “ليبانون ديبايت”، يتمثل في أن فرنسا قد لا تكون جزءاً من أي قوة دولية جديدة يجري تشكيلها للجنوب، الأمر الذي يعني عملياً تراجع الحضور الفرنسي الميداني في هذه المنطقة بعد عقود من المشاركة الفرنسية في “اليونيفيل”.
وتربط المصادر هذا الاحتمال بتفاهم فرنسي–أميركي جرى بعيداً عن الأضواء، وأفضى، وفق المعلومات المتوافرة، إلى إعادة توزيع الأدوار والنفوذ في عدد من الملفات اللبنانية، بما فيها الملف الجنوبي، وبحسب المصادر، فإن تراجع الدور الفرنسي الميداني لا يعني بالضرورة خروج باريس من المشهد اللبناني، بل قد يقابله تعزيز حضورها في ملفات أخرى، من بينها الملف السياسي والاقتصادي، فضلاً عن استمرار الدور الفرنسي في دعم المؤسسات اللبنانية.
وفي هذا الإطار، تبرز إعادة استضافة المؤتمر التحضيري لدعم الجيش اللبناني باعتبارها إحدى ساحات الحضور الفرنسي البديلة، في وقت يجري فيه العمل على إعادة رسم خريطة الأدوار الدولية في لبنان، بحيث تتوزع الملفات بين أكثر من قوة دولية وفقاً لطبيعة المرحلة المقبلة.
وتكشف المصادر أن أحد أبرز الاعتبارات التي دخلت على خط إعادة توزيع الأدوار يتعلق بمخاوف أميركية وإسرائيلية من إمكانية انفتاح قنوات تواصل فرنسية مع “حزب الله”، الأمر الذي قد يكون ساهم، بحسب المعلومات، في الدفع باتجاه تقليص أي دور فرنسي ميداني مباشر في الجنوب، واستبداله بأدوار لقوى أوروبية أخرى أكثر انسجاماً مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية للمرحلة المقبلة.
وفي المقابل، يبقى لبنان أمام تحدي الحفاظ على موقعه في أي ترتيبات جديدة، خصوصاً أن تغيير تركيبة القوة الدولية أو طبيعة تفويضها قد ينعكس مباشرة على التوازنات القائمة في الجنوب، ولذلك، تبدو المساعي الرئاسية والسياسية اللبنانية مركزة على منع تحويل انتهاء ولاية “اليونيفيل” إلى مدخل لفرض وقائع جديدة، والتأكيد على أن أي صيغة مقبلة يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالح لبنان وسيادته، لا أن تكون مجرد انعكاس للتفاهمات الدولية والإقليمية.
وبينما يستمر النقاش حول مصير «اليونيفيل» والقوة التي يمكن أن تخلفها، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: من سيحل مكانها وفق القرار الذي يجري الحديث عنه؟ بل أي جنوب سيولد بعد انتهاء مهمتها، وما هي القواعد التي ستحكمه، ومن سيرسم حدود الحركة فيه؟
فإذا كانت المرحلة السابقة قد قامت على القرار 1701 كمرجعية دولية أساسية، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولة لإنتاج صيغة مختلفة، وسط شدّ حبال دولي حول طبيعة التفويض، وتركيبة القوة، ودور الجيش اللبناني، ومصير السلاح، والانسحاب الإسرائيلي.