"المستهدف ليس الحزب"... بري يواجه أخطر سيناريو

دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري اللبنانيين إلى مقاربة حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل مقاربة وطنية، بعيدًا من الحسابات المناطقية والحزبية والطائفية والمذهبية، مؤكدًا أن «المطلوب إسرائيليًا ليس حزب الله ولا سلاحه ولا حركة أمل ولا الطائفة الشيعية، إنما المطلوب الفتنة، والمستهدف لبنان في وحدته وسلمه الأهلي».

مواقف بري جاءت في كلمة متلفزة ألقاها، الاثنين، في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، الشيخ محمد يعقوب والإعلامي عباس بدر الدين، والتي أحيتها حركة أمل هذا العام تحت شعار «أمانة وطن».

واستهل بري كلمته باستعادة حضور الإمام الصدر ورفيقيه بعد 48 عامًا على تغييبهم، معتبرًا أن الصدر يعود «شمسًا لا يطفئ توهجها قضبان السجون، وفكرًا لا تحجبه ظلمة الزنازين»، مستحضرًا بعلبك حيث النشأة الأولى، وصور حيث بداية الوعي والصوت، والقرى والمدن بأسمائها وحاراتها بوصفها هوية اللبنانيين ولغتهم وأحلامهم وحاضرهم ومستقبلهم وذاكرتهم التي تحاول إسرائيل محوها بالنسف والتدمير والتفجير.

واستعاد حضور الصدر في كفرشوبا والجنوب والبقاع والضاحية وكل الوطن، مستشهدًا بوصيته: «لا شيء أغلى من لبنان، لا تضيعوه في حروب داخلية، ولا في انقسامات أو سقطات سياسية أو أمنية قاتلة».

ووجّه بري التحية إلى الشهداء جميعًا، وفي مقدمهم شهداء المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ومتطوعو الدفاع المدني في كشافة الرسالة الإسلامية والهيئة الصحية والصليب الأحمر والدفاع المدني اللبناني، إضافة إلى الإعلاميين «شهداء الصوت والصورة والكلمة».

وقال إن هؤلاء أثبتوا أن الوطنية ليست شعارات أو أرباحًا أو متاعًا للمساومة والعرض والطلب، بل إن الوطن هو أبعاد وجود الإنسان وأساس كرامته. كما حيّا المقاومين جميعًا ومفقودي الأثر، والأطفال والعائلات التي شطبتها الغارات الإسرائيلية من قيود النفوس، والنازحين الذين لن تحول أي قوة في الدنيا بينهم وبين العودة إلى أرضهم ومنازلهم.

وحيّا اللبنانيين في مختلف المناطق والمحافظات، ولا سيما في الجبل وبيروت والشمال، الذين فتحوا منازلهم ومرافق بلداتهم التربوية والثقافية والدينية وغيرها للاستضافة والإيواء، إلى جانب الدول الشقيقة والصديقة التي وقفت ولا تزال إلى جانب لبنان وجنوبه وأهله، لمؤازرتهم في تجاوز هذه المرحلة المصيرية.

وأشار بري إلى أن دعوة الإمام الصدر، منذ عام 1969، كانت ولا تزال تقوم على أن الحرب مع إسرائيل تتطلب مقاربة وطنية بعيدة من الحسابات المناطقية والحزبية والطائفية والمذهبية، مضيفًا أن لبنان، بما يمثله، هو نقيض لعنصرية إسرائيل.

واستشهد بقول الإمام الصدر: «احفظوا لبنان وفي قلبه الجنوب، ولبنان من دون الجنوب وقوته أسطورة ومغامرة تاريخية».

وشدد بري على أن مخاطر المرحلة الراهنة الوجودية على الجنوب ولبنان لا تعطي أحدًا حق التصرف بأي من العناوين السيادية، سواء تحت مسمى «اتفاق إطار» أو «ملحقات سرية» أو غيرها، ولا حق الإطاحة بقرارات أممية تحفظ حقوق لبنان السيادية على كامل ترابه الوطني في الجنوب، تحت مظلة الجيش اللبناني وبمؤازرة قوات الأمم المتحدة «اليونيفيل»، ومن بينها القرار 1701.

وفي عرض ثوابت حركة أمل وموقف كتلة التنمية والتحرير، أكد بري أن السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش اللبناني خطوط حمراء، يُمنع تجاوزها أو المساس بها تحت أي عنوان. وأعلن رفضه المطلق للتشكيك بالجيش أو توهينه ودوره، داعيًا إلى تأمين جميع مقومات الدعم له بوصفه مؤسسة وطنية حامية وحاضنة لآمال اللبنانيين وتطلعاتهم.

وأكد أن الجنوب جزء لا يتجزأ من لبنان، وأن مسؤولية حفظه والدفاع عنه إلى جانب أهله، وإعادة إعمار ما دمره ويدمره العدوان الإسرائيلي، تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والدستورية.

وشدد على أن الجنوب، بكل مدنه وقراه وبلداته، لا يقبل التجزئة بين شمال النهر وجنوبه، وأن جغرافيته ليست مناطق تجريبية كي يمتحن فيها الجيش الإسرائيلي، بالمباشر أو بالواسطة، الجيش اللبناني والمؤسسات المدنية والأهلية تحت أي مسمى.

وقال إن لبنان لن يقبل بأن يكون الجنوب منطقة عازلة أو حزامًا أمنيًا لأي كان، مهما بلغت التضحيات وتحت أي ظرف، مؤكدًا أن أبناء الجنوب لم ولن يكونوا يومًا دعاة حرب، بل حماة للأرض والعرض وضحايا للعدوان الإسرائيلي المستمر منذ عام 1948.

وأعلن بري، باسم حركة أمل وكتلة التنمية والتحرير، رفض التنازل أو «تعليق» حق لبنان، دولة ومؤسسات وأفرادًا، في مقاضاة إسرائيل على جرائم الإبادة التي ارتكبتها وترتكبها بحق الحجر والبشر في الجنوب.

ولفت إلى أن هذه الجرائم شملت التدمير الكامل للقرى والمدن والحواضر التاريخية والتراثية والمؤسسات التربوية والصحية والمساحات الزراعية، واستخدام أسلحة محرمة دوليًا، إلى جانب الإساءة إلى الرموز والأماكن الدينية، كما حصل في بلدة القوزح من إساءة إلى تمثال السيدة مريم، وهدم المسجد الكبير في مدينة بنت جبيل، وهو من أقدم المساجد التاريخية في لبنان، ونسف محيط قلعة الشقيف التاريخية.

وأشار إلى أن وزير الحرب الإسرائيلي تفاخر، بالصوت والصورة، بتدمير 24 مدينة وقرية تدميرًا كاملًا وتحويلها إلى رماد، معتبرًا أن التنازل عن حق المقاضاة هو تنازل عن السيادة، وأن أحدًا لا يملك حرية التفريط بهذا الحق الوطني السيادي الذي يجب ألا يسقط أثناء التفاوض أو بالتقادم أو بمرور الزمن.

وجدّد بري التأكيد أن حركة أمل وكتلة التنمية والتحرير مارستا حقهما الديمقراطي في رفض اتفاق الإطار، ولا تزالان على الموقف نفسه، مشيرًا إلى أنهما حذّرتا من مغبة التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت النار وفي غياب الإجماع الوطني، كما فعل العديد من الحلفاء والأصدقاء.

وسأل: «سبع جولات من التفاوض، ماذا كانت النتيجة؟»، معتبرًا أن رقعة الاحتلال اتسعت خلالها، وازدادت مساحات التدمير وارتفع عدد الشهداء، فيما تواصل إسرائيل حربها.

وفي الشأن الداخلي، جدّد بري التمسك باتفاق الطائف وضرورة تنفيذ بنوده الإصلاحية كافة، معتبرًا أن أي دعوة لإعادة النظر في شكل النظام السياسي تحت مسمى الفدرالية أو التقسيم أو أي صيغة أخرى لا تتوافق مع وثيقة الطائف، هي مغامرة ومقامرة غير بريئة وغير محسوبة، تهدد وجود لبنان وسلمه الأهلي وسيادته ووحدة ترابه الوطني.

وفي ما يتصل بتطورات المنطقة، أكد دعم حركة أمل وتأييدها للمساعي والجهود التي يبذلها الأشقاء العرب وجمهورية باكستان الإسلامية لإنهاء التوتر وإرساء الاستقرار في منطقة الخليج، بما يحفظ لدول المنطقة أمنها واستقرارها وسيادتها، ولا سيما بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحيطها في دول مجلس التعاون الخليجي ومحيطها العربي والإسلامي.

وفي قضية تغييب الإمام الصدر ورفيقيه في ليبيا، قال بري إن «السجان والمجرم رحل»، إلا أن عقلية من تسلّم إرثه لم تتغير في التمويه والتضليل وعدم التعاون مع لبنان قضائيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا، بما يؤسس لتحرير الإمام ورفيقيه وكشف ملابسات القضية.

وأكد أن القضية «أمانة وطن»، وكانت وستبقى قضية جميع اللبنانيين، وأن متابعتها ليست مسؤولية القضاء اللبناني العدلي وحده، بل مسؤولية السلطات الرسمية كلها.

واعتبر أن استمرار السلطات الليبية في سياسة عدم التعاون يضعها في خانة التواطؤ والتمادي في ارتكاب جريمة الإخفاء، مؤكدًا عدم المسامحة أو الغفران أو التهاون مع مرتكبيها أو مع من يحاول زيادة الغموض المحيط بها، واستخدام جميع الوسائل التي كفلها القانونان اللبناني والدولي، ولا سيما في جرائم الإخفاء القسري.

وختم بري بتجديد العهد على حفظ أمانة تحرير الإمام الصدر ورفيقيه، وأمانة حفظ الوطن والدفاع عن كرامة الأرض والإنسان، وحفظ لبنان وفي قلبه الجنوب كله.