
“ليبانون ديبايت” ـ المحرر السياسي
تتراكم المخاوف من استمرار حالة الجمود السياسي والأمني والإقتصادي، ويكبر هاجس تحوّل الأزمة الحالية إلى مسار استنزاف طويل الأمد يطال الدولة والمواطن معاً، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات الرسمية على المعالجة، وسط تداخل الحسابات الداخلية مع التطورات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يعزو النائب الدكتور بلال الحشيمي الإنهيار إلى واقع الإستنزاف على مختلف المستويات، إلى جانب محاولات بعض القوى السياسية إثارة الفتن لتحقيق أهداف سياسية خاصة، ويضع في هذا الإطار أداء “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”.
ويكشف النائب الحشيمي لـ”ليبانون ديبايت” أن قانون العفو يشكل اختباراً جديداً للعلاقة بين الرئاسة والسنّة، ويجزم بأن الرئيس جوزاف عون لن يردّ القانون، لكنه في المقابل لن يوقّعه، بل سيترك المهلة الدستورية تنقضي ليصبح القانون نافذاً وفق الأصول، لا سيما أن الرسالة التي وجّهها مفتي الجمهورية كانت واضحة، بعد التوافق على صيغة القانون بين النواب السنّة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ لا مصلحة لرئيس الجمهورية في الدخول في مواجهة مع الساحة السنّية.
ويشير الحشيمي إلى محاولات “التيار الوطني الحر” والحزب، دقّ إسفين بين السنّة والرئيس عون، إلا أنه يستبعد أن ينجرّ رئيس الجمهورية إلى هذه المواجهة، محذراً من أن أي تصعيد من هذا النوع قد يعيد البلاد إلى أجواء التسعينيات وما رافقها من إشكاليات وانقسامات سياسية وطائفية.
وبحسب الحشيمي، فإن الملف لا ينبغي أن يتحول إلى مادة جديدة لإعادة إنتاج الانقسامات الداخلية، لا سيما في ظل التوتر القائم أصلاً على أكثر من مستوى.
ويحذر الحشيمي من دقة الوضع الداخلي في ظل استمرار الإعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، معتبراً أن الإبقاء على الستاتيكو الحالي إقتصادياً ومالياً وأمنياً، وليس عسكرياً فقط، سيقود إلى مزيد من التدهور، وربما إلى الإفلاس والإنهيار. ومن هنا، يشدد الحشيمي على ضرورة أن يصبح دعم الجيش أولوية، باعتباره المؤسسة القادرة على تولي مسؤوليات الدولة الأمنية والعسكرية، شرط توفير الغطاء السياسي والإمكانات اللازمة له.
في المقابل، يرى الحشيمي أن الحزب يعتمد على عامل الوقت ويراهن عليه، لأن استمرار الوضع القائم قد يصب في مصلحته السياسية، فكلما طال الإحتلال الإسرائيلي للجنوب واستمر وجود السلاح خارج إطار الدولة، بقيت الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة.
ووفق الحشيمي، فإن إسرائيل مستفيدة من استمرار وجود سلاح الحزب، فيما يستفيد الحزب من استمرار الإحتلال الإسرائيلي للجنوب، بحيث يستخدم كل طرف وجود الآخر في خدمة روايته السياسية والشعبية.
لكن الحزب وإسرائيل ليسا وحدهما في المشهد، إذ يرى الحشيمي أن لبنان بات يدور في “حلقة مفرغة” من الإستنزاف، فيما ينحصر التركيز السياسي والإعلامي في الصراع بين إسرائيل والحزب، على حساب الملفات الإقتصادية والمالية والإجتماعية التي تزداد خطورة.
وفي الإتجاه نفسه، يلاحظ الحشيمي أن الحزب لا يستطيع الإستمرار في اتخاذ مواقف غير متعاونة مع الحكومة، ولا أن يبقي لبنان رهينة للقرار الإيراني، لأن إيران استخدمت لبنان في مراحل مختلفة لخدمة مصالحها الخاصة، ولا سيما حماية نظامها وتعزيز موقعها التفاوضي في مواجهة الولايات المتحدة، فيما يدفع لبنان وحده كلفة هذه الحسابات.
ويعطي الحشيمي أهمية خاصة لدور الجيش، معتبراً أنه أثبت قدرته على القيام بمهامه عندما توفرت له الإمكانات والغطاء السياسي، كما حصل في مواجهة عمليات التهريب في الشمال، حيث تمكن من الحد من تهريب الأشخاص والأسلحة. ويرى أن المؤسسة العسكرية قادرة، من حيث المبدأ، على تحمّل مسؤولية الجنوب أيضاً، شرط حصولها على الدعم السياسي والعسكري المطلوب.
لكن المشكلة، وفق الحشيمي، تكمن في محاولة كل فريق سياسي وضع الجيش في خانة نفوذه، بدلاً من التعامل معه باعتباره مؤسسة وطنية جامعة. وفي السياق، يتهم الحشيمي “التيار الوطني” والحزب باستغلال قانون العفو لإثارة حساسيات وفتن بين الجيش والسنّة و”القوات اللبنانية”، معتبراً أن افتعال مثل هذه المواجهات يخدم هدفاً أساسياً يتمثل في إبقاء السلاح خارج إطار الدولة.
المعضلة، وفق الحشيمي، لا تكمن فقط في الحرب أو سلاح الحزب أو الإحتلال، بل في غياب أفق واضح للخروج من منظومة الإستنزاف بأكملها، التي يدفع ثمنها المواطن اللبناني وحده.
فالمفارقة الأخطر هنا على حدّ قول الحشيمي، تكمن في بقاء لبنان عالقاً بين سلاح الحزب والضغط الإسرائيلي والحسابات الإيرانية والمطالب الأميركية، فيما تتراجع الدولة إقتصادياً واجتماعياً، وكلما طال انتظار التسوية، ارتفعت كلفة الإنتظار على الدولة والمواطن، بينما تستمر القوى المتصارعة في إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.