هدنة 6 أشهر بين لبنان وإيران: هل تنفجر في الشهر السابع؟

“ليبانون ديبايت”-عبدالله قمح

قطوع مهم جرى تجاوزه في العلاقات اللبنانية – الإيرانية. أزمة السفير الإيراني محمد رضا شيباني، التي كان يمكن أن تتحول إلى عنوان مواجهة دبلوماسية مفتوحة بين بيروت وطهران، جرى احتواؤها، ولو مؤقتاً، بفعل الدور المباشر الذي لعبه المدير العام للأمن العام، اللواء حسن شقير.

الفكرة التي عمل عليها شقير كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الحساسية سياسياً. فقد استخدام صلاحياته الإدارية لمنح شيباني إقامة مجاملة لمدة ستة أشهر، بما يسمح له بالبقاء قانونياً على الأراضي اللبنانية من دون أن يمنحه ذلك أي صفة أو حصانة دبلوماسية.

هكذا، جرى عملياً نزع فتيل الأزمة، وفصل قضية شيباني عن مجمل العلاقة بين لبنان وإيران. لكن الحل نفسه يحمل في داخله سؤالاً مؤجلاً: ماذا بعد الأشهر الستة؟

بهذا المعنى، تبدو الإقامة أشبه بـ«هدنة» لمدة ستة أشهر في العلاقة اللبنانية – الإيرانية. هدنة قد تُمدد، لكنها لا تعالج وحدها الأسباب السياسية التي أوصلت العلاقة بين البلدين إلى هذا المستوى من البرودة.

في طهران، لم تتغير النظرة إلى شيباني. منذ وصوله إلى بيروت، تعاملت معه إيران على أنه سفيرها لدى لبنان، سواء قبل منحه الإقامة أو بعدها. ووفق المعطيات المتداولة، لا توجد حتى الآن نية إيرانية لاستبداله، ولو حصل تغيير على مستوى القائم بالأعمال مع انتهاء مدة تفويضه.

أكثر من ذلك، يتردد أن طهران تدرس توسيع المهمة السياسية لشيباني عبر تعيينه مبعوثاً إلى لبنان وسوريا، في مؤشر إلى أن الملفين اللبناني والسوري باتا مترابطين أكثر فأكثر في المقاربة الإيرانية، تماماً كما يجري الربط بينهما في حسابات واشنطن تل أبيب وأنقرة.

وبالنسبة إلى طهران، فإن قصة شيباني لا تبدأ من رفض اعتماده، بل من المرحلة التي سبقته. فالقراءة الإيرانية تقول إن بيروت وافقت مبدئياً على اعتماده وأصدرت له إقامة من الفئة الدبلوماسية. هي الموافقة التي أتاحت لطهران إرساله إلى لبنان، قبل أن يعود الحكم اللبناني وينقلب على المسار.

من هنا، يأتي التقدير الإيراني للدور الذي لعبه اللواء شقير في احتواء المشكلة، من دون أن يعني ذلك أن طهران تعتبر القضية قد انتهت. بل إن الإيرانيين، وفق هذه القراءة، لم يكونوا مستعدين لإخراج شيباني من بيروت حتى في حال عدم إيجاد مخرج قانوني لإقامته، رغم أن وسطاء كانوا قد ضمنوا له مغادرة طبيعية عبر مطار بيروت باتجاه طهران، مروراً بتركيا أو العراق.

والسبب أن طهران كانت تنطلق من اعتبار أن عدم اعتماد شيباني سفيراً لا يسقط حقه في الإقامة داخل حرم السفارة الإيرانية، الذي تنظر إليه بوصفه المساحة التي يمكن أن تستضيفه إلى حين إيجاد حل.

لماذا رُفض شيباني؟

المشكلة بالنسبة إلى إيران أعمق من شخص السفير. فطهران تقول إنها لم تتلقَّ تفسيراً لبنانياً مقنعاً لقرار عدم اعتماده. وما قيل عن تدخل شيباني في الشأن الداخلي اللبناني، وفق الرواية الإيرانية، لم يُرفق بأدلة تسلمتها وزارة الخارجية الإيرانية من نظيرتها اللبنانية، ويمكن لطهران، الآن، أن تقدم 12 دليلاً على تدخل آخرين في الشأن اللبناني بطريقة وقحة للغاية، دون أن يبادر الحكم اللبناني لاتخاذ خطوات بحقهم.

لذلك، جرى التعامل في طهران مع رفض شيباني بوصفه قراراً سياسياً أكثر منه إجراءً دبلوماسياً، ووُضع ضمن سياق أوسع تعتقد إيران أنه يستهدف تقليص، وربما إنهاء، حضورها وتأثيرها السياسي في المنطقة.

ورغم ذلك، لا تتعامل طهران حتى الآن بخشونة مفرطة مع الحكم في لبنان، بل أنها أرسلت وزير خارجيتها، عباس عرقجي، لحل الموضوع مع المسؤولين، وقد لمس بوضوح أن القرار “أكبر منهم”. وطهران، وفق القراءة السائدة لديها، تنظر إلى السلطة اللبنانية باعتبارها واقعة تحت ضغوط كبيرة، وأن قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة في ملف العلاقة مع إيران محدودة.

هذه المقاربة لا تقتصر على بيروت. فثمة قراءة إيرانية مشابهة لما يجري في دمشق، حيث تعتقد طهران أن السلطة السورية ترغب، بدعم تركي، في إعادة فتح قنوات معها، وقد أرسلت إشارات في هذا الاتجاه، لكنها تبحث في المقابل عن مخرج يحفظ ماء وجهها، من خلال مطالبة إيران بـ«اعتذار» عما جرى خلال حقبة نظام آل الأسد، يمكن تقديمه أمام الرأي العام السوري بوصفه مدخلاً لإعادة العلاقة، وفي خطوة ثانية الذهاب إلى مفاوضات، ما يجابه برفض إيراني صريح، لاسيما مساواتها بإسرائيل.

إيران لا تستعجل

مع ذلك، لا يبدو أن إصلاح العلاقات مع بيروت أو دمشق يتصدر حالياً جدول الأولويات الإيرانية.

الأولوية في طهران مختلفة: الداخل الإيراني، الحرب، الحصار الاقتصادي، وإعادة ترتيب العلاقات مع الدول صاحبة النفوذ والقدرة على التأثير في مسار المواجهة.

واللافت أن ثمة اعتقاداً إيرانياً بأن طهران ليست مضطرة أساساً إلى استعجال إعادة وصل ما انقطع مع بيروت أو دمشق. فالقراءة هناك تقوم على أن تبدل الظروف الإقليمية أو انخفاض مستوى الضغوط الخارجية على العاصمتين، سيدفعهما في نهاية المطاف إلى المبادرة بنفسيهما نحو إيران.

قد يبدو هذا الاعتقاد شديد الثقة، وربما سوريالياً للبعض، لكنه ينسجم مع الطريقة التي تقرأ بها طهران المرحلة الحالية.

إيران تعتبر نفسها في قلب حرب وجودية ومصيرية وغير مسبوقة. لكنها، في الوقت نفسه، لا تعتقد أن هذه الحرب قادرة على إنهاء حضورها الإقليمي. وعلى العكس، ثمة رهان إيراني على أن مجرد الصمود داخل المعادلة الحالية سيعيد إنتاج نفوذ طهران لاحقاً بصورة تلقائية عندما تتغير الظروف.

ومن هنا، ربما، يمكن فهم عدم اندفاع إيران إلى خوض معارك جانبية في كل ملف تتعرض فيه للاستفزاز أو التضييق.

لبنان: المشكلة أبعد من رحلات جوية

بالعودة إلى لبنان، تكون إقامة شيباني قد عالجت المشكلة المباشرة، لكنها لم تعالج الأزمة السياسية التي تقف خلفها.

وحتى وقت قريب، كان الاعتقاد في طهران أن النظام اللبناني قادر على إنتاج مخارج متى أراد، خصوصاً في ظل وجود شخصيات وقوى لا ترغب في أخذ الخصومة مع إيران إلى نهايتها.

لكن إعادة إصلاح العلاقة، وإن بقيت هدفاً إيرانياً، لا تعني أن طهران ستكون الطرف الذي سيطرق الباب أولاً.

ومن هنا أيضاً، تبدو النقاشات التي تختصر أزمة العلاقات بإعادة الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين قاصرة عن توصيف المشكلة.

فالرحلات الجوية، في نهاية المطاف، نتيجة وليست سبباً.

أما أصل المشكلة، بحسب القراءة الإيرانية، فيكمن في طبيعة التعاطي الرسمي اللبناني مع طهران خلال المرحلة الماضية، والذي تعتبره إيران تعاطياً «فوقياً». والمفارقة أن هذه التصرفات لم تنتج، كما كان متوقعاً ربما، انفجاراً إيرانياً في وجه لبنان، بقدر ما أنتجت استياءً وانكفاءً.

والسؤال الذي يتردد في الأوساط الإيرانية يمكن اختصاره بالآتي: لماذا يضع بعض المسؤولين اللبنانيين أنفسهم في مواجهة مع إيران، ويؤدون أدواراً ليست مطلوبة منهم أصلاً؟

قد يكون ذلك أحد أسباب تراجع مستوى التواصل السياسي الإيراني مع عدد من المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية جوزاف عون، حيث اتجهت طهران إلى الحفاظ على الحد البروتوكولي من العلاقة، مقابل الاحتفاظ بقناة رئيس مجلس النواب نبيه بري.

وقد يقرأ البعض في ذلك بعداً شيعياً، لكن المقاربة الإيرانية مختلفة. فطهران تقول إنها لا تريد إحراج المسؤولين اللبنانيين أو تحميلهم أعباء إضافية في ظل الضغوط الخارجية التي يتعرضون لها، خصوصاً مع تنامي الانطباع لديها بأن لبنان يُراد له أن يتحول إلى منصة إضافية ضمن سياسة حصار إيران.

ماذا عن الشهر السابع؟

هنا تحديداً تكمن المشكلة. فإقامة شيباني لمدة ستة أشهر أوقفت ساعة الأزمة، لكنها لم تُلغها.

قد تنتهي الأشهر الستة ويجري تمديد الإقامة ستة أشهر أخرى، وربما أكثر. وهذه، في النهاية، مسألة يمكن إيجاد مخارج إدارية وقانونية لها.

لكن ماذا لو انتقلت المشكلة من شخص السفير إلى العلاقة نفسها؟

ثمة كلام عن طلبات أميركية لاتخاذ إجراءات داخل لبنان تندرج ضمن مشروع العقوبات والضغوط القصوى الهادفة إلى تشديد الحصار على إيران. وبعض المعطيات تشير إلى أن هذه الطلبات تصل مباشرة إلى بيروت، وأن البحث في كيفية التعامل معها بدأ بعيداً من الأضواء.

عند هذه النقطة، تصبح المسألة مختلفة كلياً.

فإيران التي غيّرت كثيراً من قواعد تعاملها في مرحلة ما بعد المرشد السابق السيد علي الخامنئي، لا يُتوقع أن تتعامل بلا اكتراث مع إجراءات لبنانية تعتبر أنها تستهدفها مباشرة، خصوصاً إذا جرى تفسيرها في طهران على أنها جزء من مشروع أميركي أوسع لمحاصرتها.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بشيباني أو بإقامته، بل بالحد الذي يستطيع لبنان الذهاب إليه في الاستجابة للطلبات الأميركية من دون أن تتحول علاقته مع إيران إلى ساحة مواجهة جديدة.

لقد اشترى حل اللواء حسن شقير ستة أشهر من الوقت، ومنح بيروت وطهران فرصة لإبعاد قضية السفير عن بقية الملفات. لكن شراء الوقت لا يعني بالضرورة شراء الحل.

فالاختبار الحقيقي لن يكون خلال الأشهر الستة، بل بعدها. وعندما يحل الشهر السابع، قد لا يكون السؤال: هل ستُمدد إقامة شيباني؟ بل: هل تنتهي الهدنة اللبنانية – الإيرانية معه؟